حقق أعضاء ما يمكن تسميته تنظيم «الاشتراكيين الديمقراطيين» في أميركا انتصاراً جديداً في ولاية كولورادو، بعدما أطاحت العضوة ميلات كيروس، النائبة ديانا ديغيت، التي شغلت مقعدها في مجلس النواب الأميركي لمدة 15 دورة انتخابية، في دائرة ذات أغلبية ديمقراطية في دنفر. وجاء هذا الفوز المفاجئ، الذي لم يعد يبدو مفاجئاً مع تكرار نتائجه، بعد أيام من فوز ثلاثة مرشحين تقدميين في الانتخابات التمهيدية للكونجرس، بينهم اثنين من الاشتراكيين «الديمقراطيين».
 وقد أثارت المكاسب الكبيرة التي حققها تنظيم «الاشتراكيين الديمقراطيين» في أميركا خلال موسم الانتخابات التمهيدية رد فعل قوياً من الديمقراطيين الأكثر اعتدالاً، الذين يسعون إلى الحفاظ على سيطرتهم على الحزب وابعاد الاشتراكيين عن قيادة الحزب، أو حتى عن الساحة السياسية. لكن تحقيق ذلك لن يكون سهلاً.
ويدرك أي «جمهوري» معارض لترامب أن النظام السياسي الأميركي المنفتح لا يسمح لأي تنظيم مهما كانت قوته الراسخة أن تمنع تياراً جديداً يحظى بتأييد شعبي واسع من السيطرة على أحد الحزبين الرئيسيين. وطالما تحتفظ البلاد بنظام الانتخابات التمهيدية، فلن تنجح الأحزاب من السيطرة الكاملة على صفوفها.
ولا يعتبر تصاعد نفوذ الاشتراكيين «الديمقراطيين» داخل الحزب «الديمقراطي» بالأمر المفاجئ، إذ أنه يتنامى منذ نحو عقد. وكانت نقطة التحول عام 2018 بفوز ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز على جو كراولي في الانتخابات التمهيدية، ثم توالت نجاحات مرشحين مدعومين من التنظيم أو يتبنون سياساته. وحتى قبل انتخابات العام الحالي، ضمت الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي ما لا يقل عن ستة نواب اشتراكيين أو مقربين من التيار.
كما يحقق الاشتراكيون انتصارات في الانتخابات على مستوى الولايات والبلديات، أبرزهم على الصعيد الوطني عمدة نيويورك، زهران مامداني. وأطاحت كاتي ويلسون، عمدة سياتل، بمرشح «ديمقراطي» ليبرالي في انتخابات العام الماضي، وتدعم في انتخابات العام الجاري مرشحين يساريين لمنافسة مشرعين «ديمقراطيين» مخضرمين، من بينهم زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ. وتتجه الاشتراكية «الديمقراطية»، جينيس لويس جورج، نحو منصب عمدة واشنطن العاصمة في يناير المقبل. بجانب أن عشرات المشرعين «الديمقراطيين» في الولايات هم من الاشتراكيين الديمقراطيين.
وقد وصل أغلب هؤلاء السياسيين إلى مناصبهم بعد فوزهم في انتخابات الحزب «الديمقراطي» التمهيدية في دوائر ذات أغلبية «ديمقراطية»، ثم تغلبوا بسهولة في الانتخابات العامة على «الجمهوريين» أو مرشحي الأحزاب الأخرى، مما يعني أنهم يمثلون شريحة كبيرة، وغالباً أغلبية، من ناخبي الحزب «الديمقراطي» في تلك الدوائر، وهو ما جعل قيادات الحزب تتردد في مهاجمتهم علناً، حيث يصعب صد أي تيار عندما تسمح له قيادات الحزب بالتقدم منذ البداية.
ولا تملك قيادات الأحزاب وسيلة فعالة لوقف صعود تيار يحظى بتأييد واسع داخل الحزب، مهما حاولت. لذلك، فإن تعهد النائب جوش غوتهايمر بمنع الاشتراكيين من السيطرة على الحزب «الديمقراطي» لا يغير الواقع، فإذا أراد عدد كافٍ من ناخبي الحزب منحهم القيادة، فسيحدث ذلك.
لا يعني ذلك أنه على «الديمقراطيين» غير الاشتراكيين الاستسلام. فمن حقهم أيضاً رسم توجه الحزب، وإذا فازوا في الانتخابات التمهيدية أمام منافسين يساريين مثل كثيرين غيرهم، سيواصلون التأثير في مسار الحزب، حتى يتحدد اتجاهه وفقاً لقدرة كل تيار على إقناع الناخبين.
ومع ذلك، يجد الديمقراطيون غير الاشتراكيين أنفسهم في مأزق، فالحفاظ على وحدة الحزب عند إعداد برامجه وسياساته يفرض على الطرفين التعايش، وهو ما سيدفع الحزب تدريجياً نحو اليسار.
فالبديل عن التعايش محفوف بالمخاطر للطرفين. فقد يلجأ «الديمقراطيون» التقليديون إلى ما فعله بعض قادة الحزب عام 1972، عندما دعموا ضمنياً المرشح «الجمهوري» بعد فوز جورج ماكغفرن بترشيح الحزب للرئاسة، وهو ما أسهم في هزيمته الساحقة وأبطأ توجه الحزب نحو اليسار لسنوات.
وفي المقابل، قد يمتنع التقدميون والاشتراكيون الديمقراطيون عن دعم الديمقراطيين الوسطيين، كما حدث عندما ساهم دعم رالف نادر في انتخابات عام 2000 في فوز جورج دبليو بوش، وأسهمت انشقاقات يسارية أيضاً في فوز دونالد ترامب في انتخابات 2016 و2024.
لذا، يجد «الديمقراطيون» المعتدلون والليبراليون التقليديون والمنتمون إلى المؤسسة أنفسهم في مأزق، سواء فعلوا ذلك أم لا. فإذا ما عقدوا صلحاً مع اليسار، فإنهم يخاطرون بخسارة أغلب الناخبين. أما إذا هاجموا اليسار، فإنهم يخاطرون بدفعه نحو مرشحين يُفسدون الانتخابات.
وبذلك، يواجه «الديمقراطيون» المعتدلون معضلة حقيقية، فالتقارب مع اليسار قد يؤدي إلى خسارة بعض الناخبين، بينما مهاجمته قد تدفعه إلى دعم مرشحين يشتتون أصوات الحزب.
وتشبه تلك الأزمة ما حدث داخل الحزب «الجمهوري»، عندما فقدت قيادته التقليدية السيطرة عليه لصالح تيار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» أو «ماغا»، بعدما حظي بدعم واسع في الانتخابات التمهيدية، ولم تتمكن القيادات «الجمهورية» من منعه.
ومع ذلك، لا يزال أمام قيادات الحزب الديمقراطي فرصة لاستعادة نفوذهم إذا أدركوا أسباب تراجع تأييد جزء من ناخبيها، لأن ذلك هو السبيل الحقيقي لمواجهة صعود الاشتراكيين.كما يمكنهم أن يجدوا عزاء في حقيقة أن هناك دائماً طريقاً آخر في حال إخفاقهم: فمثل ملايين «الديمقراطيين» السابقين، ومن بينهم الرئيسان رونالد ريجان ودونالد ترامب، بإمكانهم الانضمام إلى الحزب «الجمهوري».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
 زميل بارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة.