ألمح الرئيس دونالد ترامب مؤخراً إلى أن قضية لبنان لا تمثل سوى «جزء متناهي الصغر من اللغز» الذي يحاول بناءه في الشرق الأوسط. لكن قضية لبنان حجر الزاوية في تعاملات الرئيس مع طهران.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، سعى ترامب إلى كبح قدرات إيران بدعمه لتدشين علاقات بين إسرائيل ولبنان، بينما شجع بيروت على مواجهة مشكلة الإرهاب. ويعتبر ذلك هو النهج الصحيح، فـ«حزب الله»، المدعوم من إيران، يحاول تقويض سيادة لبنان باستخدامه أرضيها قاعدة انطلاق لشن هجمات ضد إسرائيل.
وقبل الحرب الإيرانية، كان نموذج ترامب لتحقيق تقدم في الشرق الأوسط يتمثل في الاتفاقيات الإبراهمية، التي أُبرمت خلال ولايته الأولى لإقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان والمغرب. وامتد هذا الطموح ليشمل لبنان، الذي لم يُجرِ محادثات دبلوماسية مباشرة مع الإسرائيليين لثلاثة عقود.
ويُعد نزع سلاح «حزب الله»، وهو مطلب أساسي منصوص عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، هدفاً للدبلوماسية المستمرة بين الإسرائيليين واللبنانيين. وخلال الجولة الخامسة من المحادثات التي عُقدت الجمعة قبل الماضية في واشنطن، أعلن الطرفان إطار عمل جديداً يتضمن تسليم إسرائيل منطقتين في جنوب لبنان إلى الجيش اللبناني، فيما يُعد أحد أهم الاختراقات الدبلوماسية بين لبنان وإسرائيل منذ أربعة عقود، حيث أكد البلدان التزامهما بـ «هدف مشترك يتمثل في تحقيق سلام وأمن دائمين».
وبالنسبة لإسرائيل، يُعد نزع سلاح «حزب الله» مسألة غير قابلة للتفاوض، فلطالما شن الحزب هجمات على شمال البلاد، وتخشى إسرائيل من إمكانية استخدام شبكة أنفاقها في الجنوب لعمليات عبر الحدود.
أما بالنسبة للبنان، فالأمر مصيري أيضاً. فقد وصف الرئيس اللبناني جوزاف عون التدخل الإيراني على أنه تهديد مباشر للسيادة اللبنانية، وشدد قائلاً: «إنه ليس بلدكم، بل بلدنا». ومع ذلك، تجنبت حكومته اتخاذ أي إجراء مباشر ضد «حزب الله»، بسبب الانقسام السياسي والمخاوف من إشعال حرب أهلية. وفي ظل سعي ترامب لإنهاء الحرب في إيران، يُعد تحييد «حزب الله» أمراً بالغ الأهمية للولايات المتحدة أيضاً.
وتركز المفاوضات الأميركية الجارية مع الإيرانيين بشكل كبير على الأسلحة النووية، التي تعتبر مجرد أداة لتحقيق مهمة محددة، وهي نشر الثورة الطائفية الراديكالية. وما دام «حزب الله» يواصل العمل في لبنان، سيتواصل الصراع.
ويبدو الطريق إلى الأمام واضح المعالم، فترامب مُحق في اعتقاده بأن إسرائيل لا يُمكنها أن تكون القوة الدافعة الوحيدة لنزع سلاح «حزب الله». لكن الحقيقة هي أنه لا يُمكن لأي قوة خارجية أن تُنجز تلك المهمة بمفردها دون المخاطرة بنشوب صراع أوسع في لبنان. لذلك، فإن رهان إدارته على تمكين الدولة اللبنانية هو رهان صائب. والآن، على الرئيس أن يُضاعف جهوده.
وفي الوقت نفسه، يتعين على اللبنانيين بذل المزيد من الجهد لإثبات أنهم شركاء جديرون بالثقة، باتخاذ خطوات صغيرة وملموسة، مثل قطع مصادر تمويل «حزب الله» وتطهير القوات المسلحة اللبنانية من الموالين له. وبينما تعتبر موافقة إسرائيل على نقل السيطرة على «منطقتين تجريبيتين» في جنوب لبنان إلى الجيش اللبناني هي الاختبار النهائي، هل يستطيع الجيش اللبناني منع حزب الله من ممارسة نشاطه؟ وهل الدولة اللبنانية مستعدة لإثبات قدرتها على الدفاع عن سيادتها؟
ويعتبر الالتزام العلني بتلك الإجراءات الجريئة أفضل وسيلة يُظهر بها عون للبيت الأبيض قدرته على المساعدة في حل مشاكل ترامب الإقليمية. لاسيما وأنهما، ترامب وعون، من المقرر أن يلتقيا في البيت الأبيض منتصف يوليو المقبل.
كارين حجار*
* صحفية بقسم الرأي في «واشنطن بوست»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


