كشف استطلاع أجراه باحثون في جامعة «يل» ونشرته مجلة الجمعية الطبية الأميركية، عن صورة مثيرة للقلق، وإن لم تكن مفاجئة، لعالم مُقدمي خدمات الرعاية الصحية عن بُعد وآلية وصف أدوية «جي إل بي-1». واعتمد الاستطلاع على أسلوب «المتسوق السري» حيث استخدم فيه الباحثون هوية مريض افتراضي للتواصل مع مقدمي الخدمة. وأكدت نتائج الاستطلاع مخاوف الأطباء لسنوات بشأن وصف أدوية السمنة الشائعة بشكل عشوائي، فيما يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار جديد للهيئات الرقابية.
وتحظى العيادات الافتراضية بشعبية لدى المرضى الذين سئموا من الانتظار طويلاً للحصول على موعد أو الذين لا يُغطي تأمينهم الصحي أدوية السمنة. ولكن مع التوسع السريع لمنصات الرعاية الصحية عن بُعد، يجب على الهيئات الرقابية التأكد من أنها تقدم الرعاية الشاملة التي يستحقها المرضى، ولا تستغل يأس المستهلكين.

وتُعد مُثبطات «جي إل بي-1» فعالة للغاية في المساعدة على إنقاص الوزن، ومعالجة حالات طبية مرتبطة بالسمنة، إلا أنه من الصعب الحصول عليها مع ارتفاع تكلفتها التي بدأت منذ الموافقة على عقارين مما دفع المستهلكين إلى البحث عنهما خارج نظام الرعاية الصحية التقليدي. ولكن ينبغي وصف تلك الأدوية بحذر، مثل أي علاج آخر.

وأوضح استطلاع المتسوق السري أن ذلك لا يحدث غالباً، فقد أنشأ الباحثون ملفاً شخصياً لمريض افتراضي تنطبق عليه معايير استخدام «جي إل بي-1»، وطلبوا العلاج من 49 مزوداً للخدمات الصحية عبر الإنترنت. ورغم أن الغالبية العظمى سألت عن معلومات أساسية، كالتاريخ المرضي، إلا أنه كانت هناك ثغرات مقلقة، فقد أغفل نحو نصف مقدمي الخدمة السؤال عن النظام الغذائي للمريض ونشاطه البدني، ولم يتطرق 45% منهم إلى اضطرابات الطعام، التي قد تتفاقم مع تناول الأدوية.
وقد ازدهر هذا السوق الإلكتروني بسبب سماح الجهات التنظيمية بتركيب الأدوية الناقصة في السوق. ورغم أن شركتي «ليلي» و«نوفو» قد وفرتا منذ فترة كميات كافية من الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد على الدوائين وحذرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية شركات الرعاية الصحية عن بُعد من بيع نسخ مُركبة من الأدوية، إلا أن السوق السوداء لا تزال قائمة.
ووجد باحثو جامعة يل أن الشركات تتحايل على القيود بطرح أسئلة تقود المرضى إلى تبرير حاجتهم إلى نسخة مخصصة من الدواء. فقد يسأل مقدم الخدمة المريض عما إذا كان يرغب في تجنب الغثيان، أو إضافة فيتامينات، أو يفضل وسيلة تختلف عن الحقن لتلقي جرعة الدواء. والإجابة بالإيجاب تمنح الشركة تقنياً مبرراً لبيع نسخة «مخصصة» من دواء «جي إل بي-1».

وللوهلة الأولى، يبدو أن التقرير يتضمن جانباً إيجابياً، إذ اشترط ربع شركات الرعاية الصحية عن بُعد تقريباً إجراء استشارة بخاصية الفيديو بين الطبيب والمريض قبل وصف أي دواء لعلاج السمنة. ويفترض نظرياً أن يسمح ذلك للطبيب بتجاوز الأسئلة الروتينية للتأكد من فهمه الكامل للتاريخ الطبي للمريض والإجابة على استفساراته، بجانب التأكد المرئي من صدق المريض بشأن وزنه. لكن باحثي جامعة «يل» وجدوا أن أغلب تلك الاستشارات كانت تقوم بمجرد إجراء شكلي روتيني، لا تقييماً حقيقياً.
ولا تقتصر المشكلة على أدوية «جي إل بي-1». فقد خلص استطلاع آخر إلى أن منصات الرعاية الصحية عن بُعد التي تبيع العلاج مباشرة للمستهلكين، كانت متساهلة أيضاً في وصف الأدوية. كما تشير أدلة أخرى إلى التهاون نفسه في مجالات ازدهرت فيها خدمات الرعاية الصحية عن بُعد، مثل صحة المرأة ورعاية كبار السن.
وتُعد جهود «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» المُكثفة للسيطرة على سوق أدوية «جي إل بي-1» خطوة أولى جيدة، لكن الوكالة تحتاج أيضاً إلى مزيد من الدعم.
ويتمثل أحد الحلول في تشديد القواعد المنظمة لتحضير الأدوية المركبة، التي خُصصت أساساً لسد نقص الإمدادات أو تلبية الاحتياجات الفردية للمرضى، بعدما استغلت بعض الصيدليات الإلكترونية ثغرات قانونية لتوزيعها على نطاق واسع. كما يقترح مشروع قانون تقييد عدد المرات التي يمكن فيها للصيدلية إعداد نسخة مخصصة من دواء معين، وإلا فقد تفقد ترخيصها كمحضر للأدوية المركبة.
كذلك يجب على شركات الأدوية ضمان التزام شركائها بالمسؤولية، إذ أظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف منصات الرعاية الصحية عن بُعد كانت تعرض علامات تجارية معينة بجانب الأدوية المركبة، أو تحيل الوصفات الطبية إلى منصات البيع المباشر.كما ينبغي على المستهلكين توخي الحذر عند اللجوء إلى هذه المنصات. فقد تُوفر هذه المواقع وسيلة أسهل أو أرخص للحصول على الدواء، ولكن هناك تكاليف خفية، أبرزها جودة الرعاية والمساءلة التي يستحقها جميع المرضى.
* كاتبة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية وصناعة الأدوية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن».