كان النزاع على مضيق هرمز هو سبب اندلاع الحرب من جديد. فالإيرانيون يريدون السيطرة على المضيق، واستيفاء رسوم من السفن التي تعبره. والأميركيون ومعهم العالم كله ضد السيطرة الإيرانية وضد الرسوم. ولأنّ سفناً حاولت المرور، وبينها سفينة أميركية حاولت العبور بدون استئذان إيران، ضربت بحريةُ «الحرس الثوري» تلك السفن بالمسيرات وبالزوارق. فعمدت أميركا للردّ، فمضت إيران باتجاه الاعتداء على الكويت والبحرين. وقد تكرر ذلك مرتين أو ثلاثاً من الطرفين. إيران تتعرض للسفن العابرة، وأميركا ترد بالطائرات القاذفة والمدفعية البعيدة على المضيق ومحيطه القريب والبعيد!
هل عادت الحرب من جديد؟ هناك قراءات كثيرة لاتفاقية التفاهم بوساطة باكستانية ثم قطرية. وأكثر القراءات ترى أن إيران هي الرابحة، لكنّ إيران لا تبدو كذلك. إذ المعروف أن ترامب إنما أوقف الحرب من أجل فتح مضيق هرمز على مصراعيه وبدون قيودٍ ولا رسوم. وهذا ما بدا عندما أعلن العُمانيون (شركاء إيران في المضيق) بعد مفاوضاتٍ مع إيران أنّ الملاحة بالمضيق ستكون حرة. لكنّ إيران مصرة على القيود والرسوم، وهي تضرب السفن التي تبحر في المضيق بدون إذن منها.
مَن الذي يقدم الرواية الحقيقية بشأن المضيق؟ الراجح أن الأميركان هم المحقّون، بدليل كلام العُمانيين، وأن ترامب إنما أوقف الحرب من أجل تأمين حرية المرور بالمضيق. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يأبى الإيرانيون رغم أخطار عودة الحرب؟ وهل صحيح أن الاتفاق ببنوده المختلفة هو لصالح إيران؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إسراع إيران للتنكر والإصرار على أن تُفاوض هي عن «حزب الله» اللبناني؟! ما عاد يمكن القول إنّ سياسات أميركا احتوائيةٌ واستيعابيةٌ مع إيران، ولذا عندما تصرّ إيران فإنها تربح ولو جزئياً. مع ترامب ما عاد ذلك صحيحاً، فهو منذ ولايته الأولى لم يُظهر أي تنازلاتٍ لإيران. لكن مرةً أخرى ربما كان طمع إيران ناجماً عن اقتناعٍ عميقٍ بأن ترامب لا يريد العودة للحرب، ربما لأسباب داخلية، ولهذا فهي تصعّد شروطَها معتقدةً أن أميركا ستستجيب لأنها لا ترغب في الحرب من جديد!
لقد تبين أنّ ترامب مستعدٌّ لاستئناف الحرب ولو بشكلٍ جزئي، ولن يمنعه قصف الوجود الأميركي في أي مكان دون تسديد ضربات على إيران بالمضيق وبخارج المضيق. فكيف سيتطور الأمر إذاً؟ نتنياهو أعلن أنه على أهبة الاستعداد للعودة إلى الحرب، وإيران من جهتها تريد العودة لاستخدام الميليشيات العراقية والحزب المسلح في لبنان والحوثيين في اليمن، واستمرار اعتداءاتها على دول الخليج العربية! عندما بدأت الحرب قبل أشهر، كان العرب والأوروبيون ضدها، ورفض الأوروبيون المساعدةَ وغضب منهم ترامب. لكنّ العالم كله الآن ضد إيران بسبب ارتهان مضيق هرمز. وفي قمة «الناتو» بأنقرة تحسنت العلاقات بين ترامب والأوروبيين، لأن الطرفين محتاجان لبعضهما البعض. ومن وراء مضيق هرمز تَظهر المشكلاتُ الأخرى مثل السلاح النووي والصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية المسلحة وتجارة المخدرات والتآمر على أمن الدول العربية.
قد لا تعود الحرب إلى المدى الأوسع. لكن الأجواء بالمنطقة تزداد توتراً. وسيزداد الخطر على إيران إذا عادت لاستخدام أذرُعها الإقليمية. إنما لا يبدو أن ترامب سيتنازل في مسألة حرية المرور بالمضيق!


