تحت قُبَّة مجلس النواب الإيطالي، نظّم تريندز جلوبال من خلال مكتبه الافتراضي في إيطاليا، وبالشراكة مع معهد ميلتون فريدمان ودائرة دمج الجاليات الأجنبية التابعة لحزب «ليغا»، حلقةً نقاشيةً رفيعة المستوى عن «تداعيات وجود جماعة الإخوان في أوروبا»، بحضور عبدالله علي السبوسي، سفير دولة الإمارات لدى إيطاليا، ومشاركة نخبة من البرلمانيين والأكاديميين والباحثين المتخصصين في قضايا الإرهاب والتطرف والإسلام السياسي.وشكّلت الندوة منصّة دولية لمناقشة التحديات السياسية والاجتماعية والفكرية والأمنية المرتبطة بوجود جماعة «الإخوان» في أوروبا، مع التركيز على قضايا الاندماج، والهوية الوطنية، وحماية الحريات العامة، وسُبل مواجهة الحركات الإسلاموية التي تستغل الفضاء الديمقراطي لتحقيق أهدافها.
ومن مقر المؤسسة التشريعية بروما، أطلق «تريندز» النُّسخة الإيطالية من «مؤشر القوة الدولية لجماعة الإخوان»، الذي يمثّل، بحق، نقلة نوعية في دراسة الإسلام السياسي، إذ يقدم أول إطار شامل مؤسَّس على بيانات واقعية ومنهجية كمّية لتقييم الانتشار الدولي للجماعة. وبالإضافة إلى سدِّ فجوة معرفية ومنهجية طويلة الأمد، عبر الانتقال من السرديات الوصفية عن نشاط الجماعة إلى التقييم الكمّي القائم على الأدلة، يوفّر المؤشر منظوراً غير مسبوق يمكّن صنَّاع السياسات، والباحثين، والمؤسسات الأمنية في إيطاليا وأوروبا وعبر العالم من تقييم قوة الجماعة عبر المناطق والقطاعات، ويقدّم مؤشرات إنذار مبكر تساعد الحكومات على توقع التحولات في قوة التنظيم، الأمر الذي يُسهم في تعزيز الشفافية والدقة في النقاشات العامة والأكاديمية الأوروبية، ويدعم اتخاذ قرارات أكثر استنارة، ويعزّز فهماً أكثر توازناً، وبعيداً عن التسييس، لمسار الحركة المعاصر.
ومن أجل مأسسة التعاون بين «تريندز جلوبال» ومعهد «ميلتون فريدمان»، فقد وقّع الجانبان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون البحثي ومكافحة الفكر المتطرف. ولكن ما هي الرسائل التي عمد «تريندز» إلى إيصالها إلى مَن يهمّه الأمر من صنّاع القرار والخبراء والباحثين والإعلاميين في القارة الأوروبية؟
لعل أولى هذه الرسائل تتعلق بأهمية الفصل بين الإسلام بصفته ديناً عالمياً يدعو إلى السلام والتسامح، وبين الإسلاموية بوصفها مشروعاً سياسياً يوظف الدين، من أجل تحقيق أهداف أيديولوجية.
وثانياً أن ظاهرة الإسلاموية، وفي مقدمتها جماعة «الإخوانَ، لم تَعُد تُمثل تهديداً أمنياً مباشراً فحسب، بل أصبحت تُمثل تهديداً مؤسسياً وفكرياً ناعماً يؤثّر تدريجياً في المؤسسات التعليمية والثقافية والمدنية داخل المجتمعات الأوروبية.
وثالثاً أن الجماعات الإسلاموية تعتمد استراتيجيات طويلة المدى تقوم على التدرج، وبناء البيئات الحاضنة، وصناعة النخب، واستثمار أدوات الديمقراطية، وحرية التنظيم والعمل المدني، لخدمة مشاريع تتعارض مع قيم التعددية وسيادة القانون.
ورابعاً أن نشاط الإسلاموية في أوروبا يهدّد الأمن الفكري لدولها، الذي يمثّل ركيزة أساسية لاستقرار الدول، فالأمن الفكري يرتبط بتعزيز المواطنة، والتفكير النقدي، والهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ الخطاب الديني المعتدل.
وربما لأول مرة يتم صك مصطلح «مخاطر القوة الناعمة»، في سياق تنبيه تريندز إلى آليات التغلغل «الإخواني» عبر الجمعيات، والمؤسسات التعليمية، والاستثمارات الاقتصادية، والمنصات الرقمية، والأنشطة الطلابية، وما تُمثِّله من تحديات للأمن القومي الأوروبي.
وعلى الرغم من تعدُّد هذه الرسائل، فإن أهم الرسائل التي سعى «تريندز» - انطلاقاً من كونه مؤسّسة بحثية رائدة في دراسة التطرف والإسلام السياسي - لترسيخها في العقل الأوروبي، هي أن مواجهة تحديات الإسلاموية تتطلب تعزيز التعاون الدولي، وتبادل المعلومات، ودعم البحث العلمي، وتطوير السياسات الوقائية، وحماية المؤسسات التعليمية، وتعزيز برامج الاندماج.
وأخيراً، وليس آخراً، فبالإضافة إلى مخاطر «القوة الناعمة» للإخوان، وسعيهم الحثيث لبناء «مجتمع موازٍ» منفصل داخل المدن الأوروبية، ثمّة تحوُّل خطير في النشاط الدولي للجماعة يتمثل في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي من الألعاب الإلكترونية إلى منصات التشفير الرقمية في الدعاية والتجنيد والتمويل.
*باحث رئيسي/ مدير إدارة الدراسات الاستراتيجية - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.


