كلما طالت متابعتك للأحداث السياسية، ازدادت قناعتك بحقيقة بسيطة، وهي لا توجد قوة في الشؤون الإنسانية تفوق المفارقة. وأحدث الأمثلة على ذلك هو الرئيس دونالد ترامب، الذي أمضى مسيرته يسخر من توربينات الرياح، وينسحب من الاتفاقيات المناخية، ويعارض كل ما يحمل صفة «أخضر»، إلا أنه أصبح اليوم يشرف على تسارع التحول نحو صافي الانبعاثات الكربونية الصفري في الولايات المتحدة.
وفي مايو الماضي، تجاوزت الطاقة الشمسية الفحم لأول مرة من حيث إنتاج الكهرباء. كما شكّلت الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين الطاقة 91% من القدرات الجديدة المضافة إلى شبكة الكهرباء خلال الربع الأول من العام الحالي. كما يقدم البيت الأبيض قروضاً لبناء مفاعلات نووية كبيرة، ومنحاً لتطوير المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية. ورغم مخاوف الرئيس على سلامة الطيور، ارتفعت وتيرة تركيب توربينات الرياح بنحو 50% بين عامي 2024 و2025. وهكذا، تمضي الولايات المتحدة بسرعة نحو الاعتماد على الطاقة المتجددة.
وقد ورث ترامب مساراً لا يستطيع، أو لا يرغب، في إيقافه. فرغم إلغائه الكثير من برامج الدعم الأخضر التي أقرتها إدارة جو بايدن، فإنه لا يستطيع استرداد الأموال التي أنفقتها الشركات بالفعل على مشروعات الطاقة النظيفة. وفي المقابل، أسهمت الرسوم الجمركية التي فرضها على الألواح الشمسية الصينية، بهدف معاقبة بكين، في تسريع نمو صناعة محلية باتت تنتج ألواحاً منخفضة التكلفة بوتيرة تجاوزت كل التوقعات.
ورغم أن ذلك لم يكن مخططاً له، ومن المستبعد أن نرى الرئيس يرحّب بالناشطة المناخية غريتا تونبرغ قريباً، لكن التحول نحو الطاقة المتجددة مستمر بلا توقف، إذ يمثل الجمع بين الدعم الحكومي والرسوم الجمركية أداة قوية لتعزيز الإنتاج المحلي.
وليس ترامب أول رئيس ينخرط في إرث غير متوقع في مجال الطاقة. فقد اعتبر باراك أوباما انضمام الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ أحد أبرز إنجازاته، لكنه كان أيضاً من أكثر رؤساء الولايات المتحدة دعماً لإنتاج النفط، بعدما سمح بالتوسع في التكسير الهيدروليكي عندما كانت التقنية لا تزال جديدة وغير مجربة. وخلال ولايتيه، ارتفع إنتاج النفط الخام بنحو 75%، واقتربت الولايات المتحدة من أن تصبح أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم. وبالمثل، اشتهر جورج دبليو بوش بأنه «رئيس النفط»، لكنه أطلق التحول نحو استخدام الإيثانول ودعم تطوير خلايا وقود الهيدروجين. وغالباً ما تكون أفعال الرؤساء أكثر أهمية مما يقولونه.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستكون أول اقتصاد كبير يحقق صافي الانبعاثات الصفري. ومع ذلك، فإنها تنجح في أمرين مهمين ينبغي لبقية العالم الانتباه إليهما.
أولاً، واصلت إنتاج الوقود الأحفوري منخفض التكلفة للحفاظ على نمو الاقتصاد خلال مرحلة الانتقال إلى مصادر الطاقة الأنظف. فتمويل الاستثمارات في التقنيات الجديدة والبنية التحتية يصبح أسهل عندما تتدفق الأموال ويستمر النشاط الاقتصادي. وعلى النقيض، أدى التزام أوروبا العقائدي بهدف صافي الانبعاثات الصفري إلى خنق النمو، ودفع الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى الانتقال خارج القارة، وترك الأسر تواجه أعلى فواتير الكهرباء في العالم، مقابل الاكتفاء بإظهار الالتزام بالقضايا المناخية.
ثانياً، لا تخفض الولايات المتحدة انبعاثاتها بقرارات إدارية أو حكومية، حيث تقدم الدعم المالي، لكنها لا تفرض خططاً خمسية، أو موازنات للكربون، أو مسؤولين يحددون أهدافاً للطاقة حتى عام 2050. وبدلاً من ذلك، تُترك المهمة لرواد الأعمال والمهندسين لاكتشاف الحلول العملية. والنتيجة أن التكنولوجيا والرأسمالية أكثر قدرة على قيادة التغيير من بيروقراطية الهيئات التنظيمية ومخططي السياسات.
وقد يتسارع التحول نحو الطاقة المتجددة أكثر خلال السنوات المقبلة. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت مراكز البيانات الموجودة في المدار الفضائي ستصبح واقعاً، أو متى سيحدث ذلك، لكنها ستكون أكثر ملاءمة للمناخ إذا تحققت. كما قد تصبح المفاعلات النووية الصغيرة، وخلايا وقود الهيدروجين، وشبكات الكهرباء الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي من التقنيات الحاسمة في المستقبل. ومهما يكن المسار، فإن تشجيع المنافسة بين الأفكار سيظل أكثر نجاحاً من الاعتماد على قرارات تتخذها لجان بيروقراطية.
العالم لن ينتقل إلى الطاقة المتجددة عبر جعل الوقود الأحفوري مرتفع التكلفة بصورة مصطنعة، أو مطالبة الناس بالتوقف عن استخدامه. بل سيحدث هذا التحول عندما يرى السوق أن بناء أي بديل آخر عن الطاقة المتجددة لم يعُد مجدياً. والولايات المتحدة، من دون قصد تقريباً، تقدم اليوم الدليل على ذلك.وقد يصبح ترامب الرئيس الذي يقود العالم في مكافحة تغير المناخ. وربما لا يكون هذا الإرث الذي يطمح إليه، ولن يكون، على الأرجح، العنوان الإنجاز التي ستحتفي به مكتبة ترامب الرئاسية إذا شُيدت يوماً في أفق مدينة ميامي. لكن إذا استطاع العالم أن يتجاوز السخرية من توربينات الرياح وينظر إلى النتائج، فقد يجد في النموذج الذي تشكل في عهد ترامب وصفة ناجحة لتعزيز التحول إلى الطاقة المتجددة.
*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


