إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أَولى بالحنين إلى وطنه. فالوطن هو المكان الذي تشكلت فيه الذاكرة، وترسخت فيه الهوية. لذلك ظل حب الوطن من أعمق المشاعر الإنسانية، حتى قيل: «من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة».

هذا المعنى متجذِّر في الثقافة العربية، فقد قالت العرب: «تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقةً وحفاوةً»، فالأرض التي شهدت البدايات تترك في النفس أثراً يمتد مع العمر. ولهذا قال الحكماء: «فطرة الرجل معجونة بحب الوطن».

وكان العرب يرون أن الوطن هو الكرامة والعزة، فلا تُقاس قيمته بوفرة خيره، وإنما بما يغرسه في النفوس من انتماء واعتزاز. ويروي الجاحظ حواراً بديعاً بين رجل هاشمي ورجل من بني أسد، يكشف عمق هذا الارتباط بالأرض، رغم قسوة الحياة. سأله الهاشمي عن موطنه، فأجاب بأنه يسكن في «مساقط الحمى»، ثم قال بكل يقين: «لعمر الله ما نريد بها بدلاً، ولا نبغي عنها حولاً». ووصف أرضه قائلاً إن ماءها لا يفسد، وترابها لا يتغير، ونسمتها في الصباح والمساء عليلة. وعندما سُئل عن طعامهم، عدّد ما يأكلونه في سنوات القحط من القدّ، والهبيد، واليرابيع، حتى إنهم يشوون الجلد اليابس ليقتاتوا به. ومع ذلك ظل الاعتزاز بالوطن يعلو على قسوة العيش، فأنشد مفتخراً:
فنحن ملوك الأرض خصباً ونعمة
ونحن أسود الحرب عند الهزاهز
ووصفوا المسافر عن أرضه بأنه «كالغرس الذي زايل أرضه، فهو ذاوٍ يذبل ولا ينضر».
حب الوطن بداية الطريق، والولاء له كمال هذا الحب. فالولاء موقف واضح، وإيمان راسخ بأن الوطن هو الملاذ الأول، والسقف الذي ينضوي في أرجائه الجميع. ولهذا فإن الولاء للوطن لا يقبل القسمة على اثنين، فإما أن يكون الوطن في مقدمة الانتماءات، وإما أن تضطرب البوصلة وتتبعثر الانتماءات وتندثر.

الولاء الكامل للوطن يستبعد كل ولاء موازٍ لتنظيم، أو حزب، أو دولة أخرى. فالوطن لا يحتمل شريكاً ينازعه مكانته في الضمير، ولا يقبل انتماءً تحكمه المصالح. ومن قدّم ولاءً بديلاً على وطنه، فقد باع ولاءه بثمنٍ بخس في سوق الأيديولوجيا.

ولهذا تبدأ الجماعات المؤدلجة بخطف الولاء، فتجعل الأيديولوجيا أسبق من الوطن، ومن ثم تُختطف الهوية الوطنية، ويضيع الشعور بالانتماء للوطن، بينما تُمثل الهوية الوطنية خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والاستقطاب. فكلما ترسّخت في النفوس، ازدادت قدرة المجتمع على مقاومة الولاءات البديلة والمشروطة.
يعلو الولاء الوطني على كل الولاءات، لأنه الضامن لوحدة المجتمع، ولا تعارض بين الدِّين والولاء للوطن، فالدِّين إيمان وعبادة وقيم تهذِّب الضمير، والولاء الوطني عهد ومسؤولية، يترجم باحترام القانون، وحماية مؤسسات الدولة، والوفاء بحقوقها، والعمل من أجل استقرارها ويُروى عن عمر بن الخطاب قوله: «عمَّر اللهُ البلدانَ بحبِّ الأوطان».
وأما تصوير العلاقة بين الدِّين والوطن على أنها علاقة تضاد، فخرافة روّجتها الجماعات المؤدلجة لتنتزع الشباب من أوطانهم، وأي ولاءٍ يبقى إن صار في مواجهة وطنه وبني قومه.
وتختزل الأزمات شعارات الولاء إلى حقيقتها، فعند المحك تسقط الحسابات الضيقة، وتتقدم مصلحة الوطن على كل المصالح الأخرى، حيث يظهر من يقدّم أمن وطنه واستقراره على مكاسبه الخاصة الموهومة. وفي الأزمات يكون الولاء الحقيقي هو طريق النجاة للوطن، فلا قيمة لولاءٍ يتراجع عند أول أزمة.


إنّ الولاء الصادق يقتضي الوقوف مع الوطن في الشدائد قبل الرخاء، والتضحية من أجله. ففي هذه الأزمات يتجلّى معدن الرجال، ويتميز من يرى الوطن قضية ومصيراً لا ينفصل عن كينونته، عمن لا يراه إلا خياراً يمكن استبداله أو منفعةً مؤقتة. ومن تزحزح ولاؤه في ساعة الشدة، ما عاد يملك ما يقدمه لوطنه، لأنه خسر شرف الوقوف معه في اللحظة التي كان الوطن أحوج ما يكون إلى أبنائه.


وفي الإمارات يكون الولاء واضحاً وحاسماً: الإمارات أولاً، والإمارات ثانياً، والإمارات آخِراً. والولاء للإمارات يعني أن تنبض كل قطرة دم باسم الإمارات، وأن يكون الولاء المطلق للإمارات وقيادتها، وأن يظل حبها راسخاً في القلب حتى آخر العمر، وأن يبقى الدفاع عنها شرفاً راسخاً، وعهداً غليظاً، حتى تبقى الإمارات شامخةً عزيزةً، ويبقى أبناؤها أوفياء لها في كل زمان. هكذا كنا وعلى ذلك نبقى في وطنٍ عزيزٍ بمجتمعه وعزيز بقيادته وعزيز بتاريخه الماجد.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.