تُظهر الصور التوضيحية لمدار الأرض وجود نحو 16.500 قمر اصطناعي نشط، تعتمد عليها أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية «جي بي إس»، والمعاملات المصرفية، والاتصالات، والتنبؤات الجوية، وأنظمة الاستجابة للطوارئ، والزراعة، والطيران، والأمن القومي. لكن فضاء مدار الأرض ليس بلا حدود، كما أنه يزداد تلوثاً، إذ يجري حالياً تتبع نحو 28 ألف قطعة من الحطام الفضائي في المدار، منها 8000 قطعة ما بين حجم الرخام وحجم حبة الجريب فروت. وهي تتحرك بسرعات تتجاوز 17 ألف ميل في الساعة، يمكن لهذه القطع أن تدمر قمراً اصطناعياً عاملًا بالكامل أو تمزق أنظمة حيوية على متن محطة الفضاء الدولية. ويبلغ حجم نحو 4000 جسم من الأجسام التي يجري تتبعها أكثر من أربع بوصات. وهي المصدر الرئيسي لمتلازمة كيسلر، التي تولِّد مئات آلاف الشظايا الجديدة.
وقد حذر العلماء لعقود من احتمال حدوث متلازمة كيسلر، وهي سيناريو تؤدي فيه اصطدامات الحطام الفضائي إلى سلسلة لا تنتهي من الاصطدامات. ومن شأن تلك الحلقة المفرغة من الاصطدامات واسعة النطاق أن تُشتت عدداً لا يُحصى من الشظايا العاكسة في مدار الأرض المنخفض، مما يُعطل عمليات الأقمار الاصطناعية، ويُسبب مخاطر تستمر لعقود.
وستؤدي انعكاسات ملايين شظايا الحطام مجتمعة إلى زيادة التلوث الضوئي عالمياً، مما يجعل عمليات الرصد الفلكي أكثر صعوبةً حتى في أبعد المواقع على سطح الأرض. ولكن حتى لو لم تحدث متلازمة كيسلر، فمن المتوقع أن يزيد الضوء المنعكس من الحطام الفضائي سطوعَ السماء ليلاً بنسبة تصل إلى 20% عن مستواه الطبيعي خلال العقد القادم.
وما كان يبدو في السابق احتمالًا نظرياً أصبح واقعاً مع تزايد وتيرة إطلاق الأقمار الاصطناعية. فالحكومات والشركات الخاصة تطلق آلاف الأقمار الاصطناعية إلى المدار، بينما لا تزال معايير تنظيف الحطام ضعيفة، وتعتمد إلى حد كبير على الالتزام الطوعي.
ويوجد تسعة من كل عشرة أقمار اصطناعية عاملة في مدار الأرض المنخفض، وكذلك محطة الفضاء الدولية. ويمكن تعديل مساراتها من الأرض لتجنب الاصطدامات.
وقد اضطرت محطة الفضاء الدولية إلى إجراء مناورات لتجنب الحطام الفضائي. وأفادت تقارير بأن أقمار «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، التي يزيد عددها الآن على 10 آلاف قمر، نفذت 50 ألف مناورة لتجنب الاصطدام خلال نصف عام.
لكن الحطام الذي يجري تتبعه لا يمثل سوى 5% من الحطام القادر على إلحاق أضرار بالمركبات الفضائية. وهناك أكثر من 100 مليون جسيم، يبلغ حجم كل منها تقريباً حجم حبة ملح، يمكنها اختراق بدلة فضاء. وتتحمل الولايات المتحدة وروسيا والصين مسؤولية 80% من الحطام الذي يجري تتبعه حالياً في مدار الأرض المنخفض.
وكان من الممكن تفادي بعض الحوادث، ففي عام 2007، دمرت الصين عمداً أحدَ أقمارها الاصطناعية خلال اختبار لصاروخ مضاد للأقمار الاصطناعية، ما أدى إلى نثر آلاف شظايا الحطام في المدار.
وأجرت روسيا اختباراً مماثلًا في عام 2021، ما أدى إلى تناثر حطام خطير أجبر رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية على الاحتماء داخل الكبسولة التي تُستخدم عادة للسفر من الأرض وإليها، وظلت قطع أصغر من الشظايا يصعب تتبعها.
ولم تعد هذه المشكلة مقتصرة على المدار. ففي عام 2024، اخترق حطام صادر من محطة الفضاء الدولية سقف منزل في فلوريدا. ولم يُصب أحد بجروح خطيرة، لكن الحادث أبرز مخاطر الحطام الفضائي.
وهناك حاجة إلى تعاون دولي أقوى وأكثر فعالية، فرغم أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 وضعت المبادئ الأساسية للأنشطة السلمية في الفضاء، لكنها لا تتضمن أحكاماً محددةً قابلة للتنفيذ تُنظم الحطامَ المداري، أو إدارة حركة المرور الفضائية، أو تجنب الاصطدامات. لذا، يجب أن يتوصل مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي إلى إطار دولي جديد مُحدث.
كما يجب على الحكومات والشركات التي تُنشئ البنية التحتية الفضائية وتستفيد منها أن تتحمل مسؤولية حمايتها، من خلال نظام إنفاذ دولي أكثر صرامة يتضمن خططاً إلزامية للتخلص من الأقمار الاصطناعية وقيوداً على اختبارات الأسلحة المدمرة المضادة للأقمار الاصطناعية. كما يجب أن يشمل الاستثمار في تقنيات إزالة الحطام، مثل نموذج مركبة إزالة الحطام النشطة التابعة لوكالة الفضاء الدولية «ناسا»، والمصممة لإزالة قطع الحطام الفضائي الكبيرة من مدارها عن طريق محاكاة سرعة الجسم ودورانه.
إن الاستمرار في إغراق الفضاء بمعدات باهظة التكلفة تزداد قابليتها للاصطدامات العرضية قد تكون له عواقب كارثية، ليس على رواد الفضاء فحسب، بل أيضاً على عالمنا المعاصر الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية.
*رائد أعمال وأستاذ سابق لإدارة الأعمال بجامعة ماساتشوستس
**أستاذة الفيزياء وعلم الفلك بجامعة نورث كارولينا في مدينة آشفيل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينتديكيشن»


