لم يعُد السؤال اليوم ما إذا كانت المواجهة الأميركية الإيرانية ستتوسع أو تنحسر، بل ما إذا كان مضيق هرمز قد تجاوز كونه قضية إقليمية ليصبح قضية تمس الأمن الاقتصادي العالمي. فالحروب قد تبدأ بين دولتين، لكنها تتغير عندما تمتد آثارها إلى شرايين التجارة والطاقة التي يعتمد عليها العالم بأسره. ومن هذه الزاوية، تبدو الأزمة الحالية مختلفة عن سابقاتها.
فالتاريخ يثبت أن المجتمع الدولي قد يختلف حول كثير من الأزمات، لكنه نادراً ما يختلف عندما تُهدَّد طرق التجارة العالمية وأمن الطاقة. وكلما طال أمد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، اتّسعت دائرة الدول التي ترى أن أمنه لم يعُد شأناً إقليمياً، بل مصلحة دولية تمس الاقتصاد العالمي بأسره.
وقد بدأت ملامح هذا التحوّل تظهر بالفعل، عندما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدداً من الدول الكبرى، بينها بريطانيا وفرنسا والصين واليابان وجمهورية كوريا الشقيقة، إلى المشاركة في حماية الملاحة في المضيق، في إقرار بأن أمن هرمز لم يعُد مسؤولية أميركية منفردة، بل قضية ترتبط بمصالح اقتصادية عالمية. ورغم أن مواقف هذه الدول لا تزال متفاوتة، فإن مجرد طرح هذه الدعوة يعكس تحولاً في طريقة النظر إلى أمن المضيق.
ومع ذلك، فإن توحّد المصالح الدولية ليس أمراً مسلماً به. فبينما قد ترى بعض الدول أن حماية الملاحة تستدعي مشاركة أمنية أوسع، قد تفضّل دول أخرى، وفي مقدمتها القوى الأكثر اعتماداً على استقرار أسواق الطاقة، احتواء الأزمة عبر المسار الدبلوماسي، لأن كُلفة الحرب بالنسبة إليها قد تكون أكبر من كُلفة استمرار التوتر.
ولم يعُد الأمر مقتصراً على مضيق هرمز وحده، فكلما اتسعت التهديدات لتشمل باب المندب والبحر الأحمر، لم تعُد القضية تتعلق بأمن ممر بحري واحد، بل بأمن شبكة التجارة العالمية بأكملها. فتعطيل أحد هذه الممرات أو تهديده لم يعُد يؤثر في دولة بعينها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، وهو ما يفسر تزايد الدعوات إلى تدويل مسؤولية حماية الممرات البحرية الاستراتيجية.
وفي المقابل، كشفت الأزمة الأخيرة حقيقة لا ينبغي تجاهلها. فعندما ردّت إيران على الضربات الأميركية، لم يكن الرد داخل الأراضي الأميركية، بل استهدف قواعد ومنشآت في دول الخليج، فيما امتدت التهديدات إلى البحر الأحمر عبر «الحوثيين» وإلى مسارح إقليمية أخرى. وهذا يؤكد أن الخصوم ينظرون إلى المنطقة باعتبارها مسرحاً عملياتياً مترابطاً، بينما لا يزال التفكير الأمني في كثير من الأحيان يتحرك ضمن حدود الدولة الواحدة.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالخليج أيضاً. فإذا كانت التهديدات تتجاوز حدود دولة بعينها، فمن الطبيعي أن تصبح ترتيبات الأمن المستقبلية أكثر تكاملاً. وإذا تشكّل في المستقبل أي تحالف دولي لحماية الممرات البحرية، فإن دول الخليج لن تكون على هامشه، بل ستكون في قلبه، بحكم الموقع والمصلحة والدور.
وهذا يعيد طرح سؤال طالما فرضته الأزمات على المنطقة: هل يمكن مواجهة تهديدات تتعامل مع الخليج باعتباره مسرحاً أمنياً واحداً، بينما تستمر مقاربة الأمن من منظور وطني منفصل؟ فكلما ازداد ترابط التهديدات، ازدادت الحاجة إلى رؤية خليجية مشتركة، ومنظومة ردع وتنسيق قادرة على التعامل مع تحديات لا تعترف بالحدود.
ومع ذلك، فإن الحديث عن حسم عسكري قريب يبقى سابقاً لأوانه. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن المنطقة تتحرك في دورات متكررة من التصعيد والاحتواء والتهدئة، أكثر من اقترابها من مواجهة فاصلة. وهذا يعني أن مرحلة «اللاحرب واللاسلم» قد تستمر، مع بقاء الضغوط الاقتصادية، واستمرار الحشد العسكري، وتكرار المواجهات المحدودة، بينما يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه استعداداً لأي تطور مستقبلي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إيران الحفاظ على مضيق هرمز كورقة ردع، أم أن استمرار استخدامها لهذه الورقة سيدفع المجتمع الدولي في النهاية إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة تقلل من قدرتها على التأثير؟
فالتحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ دائماً بإطلاق الرصاصة الأولى، بل تبدأ عندما تقتنع القوى الكبرى بأن كلفة بقاء الوضع القائم أصبحت أعلى من كلفة تغييره.
*لواء ركن طيار متقاعد


