لم يعُد يفصل الولايات المتحدة سوى أسابيع قليلة عن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ويشير التاريخ السياسي إلى أن الحزب الذي يشغل البيت الأبيض عادةً ما يدفع ثمناً باهظاً في صناديق الاقتراع. وإذا استمر هذا النمط، فقد تفقد إدارة الرئيس دونالد ترامب سيطرتَها على مجلس النواب، وربما حتى على مجلس الشيوخ أيضاً. ومع تدني معدلات التأييد، واستمرار التوترات الدولية والخلافات الداخلية، وتواصل المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو البيئة السياسية مواتية لـ«الديمقراطيين».
ومع ذلك، يواجه الحزب الديمقراطي معضلةً من صنعه. فبدلاً من التركيز حصرياً على نقاط ضعف «الجمهوريين»، عليه أيضاً إدارة الخلافات والانقسامات المتزايدة بين جناحيه المعتدل والتقدمي. وتهدد تلك الخلافات والانقسامات بإضعاف فرصة كان يفترض أن تكون قوية لاستعادة الديمقراطيين السيطرةَ على الكونغرس.
وقد أدى صعود المرشحين التقدميين ذوي المواقف الصريحة إلى بث شعور جديد بالحماس داخل الحزب الديمقراطي. وساهم انتخاب زهران ممداني رئيساً لبلدية مدينة نيويورك في تحفيز النشطاء الذين يرون ضرورةَ أن يتبنى الحزبُ أجندةً يساريةً أكثر طموحاً. وفي عدد من الانتخابات التمهيدية، خاض مرشحون حملاتِهم الانتخابية على أساس مواقف تدعو إلى تغييرات جوهرية في سياسات إنفاذ قوانين الهجرة، وأعمال الشرطة، والسياسة الأميركية تجاه إسرائيل.
ويرى مؤيدو هذه الأفكار أنها إصلاحات طال انتظارها، بينما يجادل منتقدوها، ومن بينهم العديد من «الجمهوريين» وبعض «الديمقراطيين» أيضاً، بأنها تنفر الناخبين المعتدلين والمستقلين. وسارع الجمهوريون إلى تصوير الحزب الديمقراطي من خلال أكثر أصواته التقدمية، على أمل تحويل تلك الخلافات إلى قضية انتخابية مؤثرة.
وتجسّد ولاية ميشيغان هذا التحدي بوضوح. فقد خرج عبد السيد، المرشح الديمقراطي التقدمي لمجلس الشيوخ، من انتخابات تمهيدية اتسمت بانقسام حاد، محققاً الفوز بأضيق فارق. ويتعين عليه الآن إعادة توحيد الديمقراطيين في دائرته واستيعاب أنصار منافسته الأكثر اعتدالًا، هيلي ستيفنز، قبل مواجهة الجمهوريين في الانتخابات العامة. ولن تكون تلك بالمهمة السهلة في ولاية متأرجحة وحاسمة، يحتاج فيها الحزب إلى دعم جميع فصائل التحالف الديمقراطي. وقد بدأ الجمهوريون بالفعل في تصوير عبد السيد على أنه متطرف، بزعم ارتباطه بشخصيات راديكالية ومحاولة الإيحاء بأنه كان متعاطفاً مع الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر عام 2001 ضد الولايات المتحدة.
وقد أصبحت السياسة الخارجية نقطةَ خلاف أخرى، حيث أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تفاقم الخلافات حول الدعم الأميركي لإسرائيل. وبينما يدعو بعض الديمقراطيين إلى استمرار الدعم القوي لإسرائيل، أصبح آخرون أكثر انتقاداً للسياسة الإسرائيلية وأكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية. وقد استقطبت تلك الخلافات إنفاقاً كبيراً من جهات خارجية، حيث تدعم منظمات مؤيدة لإسرائيل بعض المرشحين، بينما تدعم جماعاتٌ تقدميةٌ مرشحين آخرين.
ويأمل الجمهوريون أن تطغى مثل هذه الانقسامات على القضايا الاقتصادية، بغية إضفاء مزيد من التشكيك في القيادة الديمقراطية. وفي المقابل، يتعين على الديمقراطيين إقناع الناخبين بقدرتهم على استيعاب وجهات النظر المختلفة دون إغفال الأهداف المشتركة.
لذا، ستختبر الأشهر المقبلة كلا الحزبين، وقد يظل الديمقراطيون في وضع جيد لاستعادة مجلس النواب، لكن نجاحهم سيتوقف على ظهورهم كجبهة موحدة بدلاً من السماح للخلافات الداخلية بالسيطرة على الحملة. ويبقى مجلس الشيوخ التحدي الأكثر صعوبة، مما يجعل ولايات مثل ميشيغان ذات أهمية خاصة.
ويبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كان بإمكان القادة الديمقراطيين تحويل تنوع الآراء إلى قوة سياسية والتوحد خلف هدف مشترك هو الحد من سلطة ترامب. فإذا نجحوا، فقد يتمكنون من إيقاف طموحات ترامب التشريعية خلال ما تبقى من ولايته. أما إذا أخفقوا، فقد يقنع الجمهوريون عدداً كافياً من الناخبين بأن الانقسامات الديمقراطية تمثّل سبباً كافياً لمنعهم من الفوز الساحق الذي كانوا يأملون فيه.
*مدير البرامج الاستراتيجية في مركز ناشونال انترست - واشنطن


