ظلت الجبال على مدى آلاف السنين رمزاً للثبات الذي لا يتزحزح، لكن ارتفاع حرارة الكوكب يقوض هذا الاستقرار، ويخلف الانهيارات الأرضية والفيضانات والانهيارات الثلجية.
وتُعد المشاهد المروعة التي أعقبت السيول المفاجئة على الحدود بين نيبال ومنطقة التبت الصينية الأربعاء الماضي أحدث مثال على ذلك. فقد تأكدت وفاة أكثر من 600 شخص، ولا يزال مئات آخرون في عداد المفقودين، بعدما اجتاح جدار من الطين والصخور الوديان في الهيمالايا، ما أدى إلى ارتفاع منسوب نهر تريشولي تسعة أمتار خلال نصف ساعة. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن انهياراً صخرياً أطلق موجة من المياه والحطام والصخور الضخمة باتجاه مجرى النهر. ويخشى الباحثون أن يكون الانهيار قد خلف سداً جديداً من الركام، يمكن أن يؤدي انهياره إلى سيول مفاجئة أخرى.
وقد يصعب أحياناً إثبات الصلة المباشرة بين تلك الأحداث وتغير المناخ، فرغم أن علوم تحديد الظواهر الجوية تستطيع بدرجة عالية من اليقين ربط موجات الحر والبرد والأمطار الغزيرة بالاحترار العالمي، فإن الانهيارات الأرضية والفيضانات الناتجة عنها تتضمن سلاسل معقدة من العوامل، ما يجعل تأثير الاحترار أقل وضوحاً. لكن الصورة العامة واضحة، لأن العنصر الأساسي الذي يربط العديد من المناظر الطبيعية الجبلية العالية ليس الجرانيت أو الحجر الجيري، بل هو الجليد.
ويقع نحو ربع مساحة اليابسة على الكوكب تحت الصفائح الجليدية أو ضمن مناطق التربة الصقيعية، حيث تظل الأرض متجمدة عاماً بعد عام، ويعمل الجليد كمادة لاصقة تربط التربة والصخور. ومع ارتفاع الحرارة، يضعف هذا الهيكل، ما يُنذر بانهيار مفاجئ، ويحدث ذلك حالياً في المناطق الجبلية بأربع قارات. فعندما يختفي الجليد الدائم، قد تنهار المنحدرات الشديدة تحت وزنها.
كما تؤدي دورات التجمد والذوبان المتكررة إلى تفاقم المشكلة، إذ تتغلغل المياه في شقوق الصخور، ثم تتمدد عند تجمدها، فتفكك الصخور تدريجياً وتوسع الشقوق مع كل موسم. وتعمل الأنهار الجليدية أيضاً كدعامات طبيعية للمنحدرات. ومع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، تزيل دعائم حافظت على استقرار التضاريس لآلاف السنين.
كما أن هطول الأمطار بدلاً من الثلوج يزيد تعرية السطح وحفر قنوات عميقة، ويزيد تدهور التربة.وتتزايد الأدلة على تسارع عدم الاستقرار. فمنذ بدء السجلات عام 1950، وقعت ثمانية من أسوأ عشرة أعوام من حيث فقدان جليد الأنهار الجليدية منذ 2016. وفوق ارتفاع 3000 متر في شرق الهيمالايا، تزيح الانهيارات الأرضية الآن كمية من المواد تعادل خمسة أضعاف ما كانت تزيحه في ثمانينيات القرن الماضي.
كما تضاعف تواتر فيضانات انفجار البحيرات الجليدية تقريباً ثلاثة أضعاف بين تسعينيات القرن الماضي والعقد الثاني من القرن الـ21، وهي فيضانات تحدث عندما ينهار فجأة السد الذي يحتجز المياه الذائبة من نهر جليدي.
وقد لا تكون مأساة هذا الأسبوع الأسوأ. ففي عام 2013، قُتل أكثر من 6000 شخص حول مدينة كيدارناث الهندية بعد تجمع أمطار موسمية غزيرة وذوبان الثلوج وامتلاء بحيرة جليدية، ما أدى إلى فيضانات كارثية. وفي 2021، فُقد أو قُتل نحو 200 شخص بعدما اجتاحت المياه والصخور موقعي إنشاء محطتين للطاقة الكهرومائية في شامولي. ويصبح صيف الهيمالايا سريعاً موسماً تتكرر فيه هذه الكوارث بدلًا من كونها أحداثاً استثنائية. ولا يقتصر الخطر على آسيا، فقد أصبحت فيضانات البحيرات الجليدية تهديداً سنوياً لعاصمة ألاسكا، جونو، وكان آخرها قبل أسابيع. وفي منتجع زيرمات السويسري للتزلج، صُمم سد جديد للطاقة الكهرومائية بتكلفة 630 مليون دولار، جزئياً لحماية البلدة مع ذوبان نهر غورني الجليدي.
وعلى مستوى العالم، يعيش نحو 15 مليون شخص في مناطق معرضة لخطر فيضانات البحيرات الجليدية. ولا توجد مؤشرات على أن دول العالم تبذل جهوداً للحد من الانبعاثات بالسرعة المطلوبة لتجنب الكارثة. ففي أوروبا، حيث تسببت موجات الحر الصيفية في أكثر من 30 ألف حالة وفاة، يتعامل السياسيون مع تغير المناخ كقضية سامة، بينما تتخلى الشركات عن أهدافها للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية. ويُرجح أن تضيف الهند، التي تضم أكبر عدد من السكان المعرضين لخطر الفيضانات الجبلية، انبعاثات إلى الغلاف الجوي أكثر من أي دولة أخرى خلال العقد المقبل. أما الولايات المتحدة، فتفكك سياسات تستهدف تقليص بصمتها الكربونية.وعلى عكس انهيار سفوح المرتفعات، فإن هذه الأفعال السياسية خيارات وليست قوى طبيعية. وقد تتحرك الجبال تحت أقدامنا، لكن هذا ليس عذراً لمن هم في السلطة للوقوف مكتوفي الأيدي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ والطاقة.


