بالنسبة للإيرانيين، لم يعد بالإمكان قياس تداعيات الحرب الحالية بعدد الأهداف العسكرية التي دُمّرت أو بآلاف العسكريين والمدنيين الذين قُتلوا، حيث أصبح الأشخاص العاديون مجبرين على تحمل وطأة الحصار البحري الأميركي وتشديد العقوبات.
وبعد 6 أشهر من العمليات العسكرية، فرض البيتُ الأبيض إجراءاتٍ جديدةً، متعهداً بتحويل سنوات من عقوبات «الضغط الأقصى» إلى «يوم إنزال اقتصادي» أشد صرامةً، والنتيجة يتحملها السكان الذين أصبح شغلهم الشاغل مجرد تدبير أمور معيشتهم والبقاء على قيد الحياة.
ويعتقد الإيرانيون أن الحرب الاقتصادية تعني آباءً لا يستطيعون توفير احتياجات أطفالهم، وشباباً تخلوا عن الزواج وعن أي خطط للمستقبل، وعمالاً لا تكفي رواتبهم حتى لتغطية التكاليف الأساسية. بينما النخبة الحاكمة بمنأى عن العقوبات الأميركية. وتعتبر النساءُ الإيرانياتُ أن الحياة برمتها تحولت إلى حلقة مفرغة شرسة، والكثيرات منهن سئمن القواعدَ الاجتماعيةَ الصارمةَ للجمهورية الإسلامية. والأقسى من ذلك أن المستقبل غير واضح المعالم، حيث تشعر الإيرانيات بأنهن عالقات في يأس مطلق.
حقق الرئيس دونالد ترامب بعضَ أهداف الحرب وليس كلَّها، حيث تراجعت قدراتُ الجيش الإيراني، لكن طهران لم تُعلن بعدْ التخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي، كما لم يسقُط النظامُ حتى الآن.
وبعد شهر من جمود هادئ نسبياً، قالت وزارة الدفاع الأميركية، الاثنين الماضي، إنها قصفت منصتي إطلاق تستخدمان لزرع الألغام في جزيرة لارك، بهدف الحد من سيطرة إيران على مضيق هرمز، الذي تقول القيادة المتبقية لإيران إنه سيظل مغلقاً!
وكانت حركة الملاحة الدولية عبر المضيق مفتوحةً قبل اندلاع الصراع. وردت إيران فوراً على الضربة التي وقعت الاثنين بإطلاق 8 صواريخ باليستية، قيل إنه تم اعتراضها جميعاً.
وقال ترامب، الاثنين، إن الضربات المتجددة على إيران ستكون «محدودة»، لكنه حذّر: «هذا لا يعني أننا لن نوجه لهم ضربةً موجعة». وقالت القيادة المركزية الأميركية، الثلاثاء، إنها ترد على أحدث نيران إيرانية بشن ضربات على أهداف تابعة للحرس الثوري في إيران.
وتقول الدكتورة سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، وهي مؤسسة بحثية في لندن، إن حالة عدم اليقين تسيطر على الإيرانيين. وتضيف: «لقد تعرض المجتمع لصدمة نفسية، والمواطنون الإيرانيون لا يتحملون وطأةَ الوضع الاقتصادي، وهم يزدادون فقراً». وبالنسبة لقادة إيران، تقول الدكتورة وكيل، إن خياراتهم محدودة، وإنهم أدركوا تنامي الاستياء من استمرار الحرمان الناجم عن الحرب.
ومع استمرار الحرب، يقول الإيرانيون العالقون في المنتصف، إن فرص اندلاع انتفاضة شعبية تؤدي إلى تغيير النظام أصبحت أقل من أي وقت مضى. ويعتقد الإيرانيون أن غالبيتهم أصبحوا أكثر لا مبالاة واستسلاماً، حيث يواجهون كل يوم سيلًا من الأخبار السيئة والأسعار الفلكية، بما يجعلهم يصلون في مرحلة ما إلى حالة من الخدر. ويرون أن الحرب خلقت ذريعة للحكومة لتجنب الاستجابة للمطالب الشعبية. ورغم أن الاقتصاد كان بالفعل في حالة سيئة قبل عام 2026، فإن الحرب ألغت إمكانيةَ الاحتجاج والمطالبة، ومكّنت النظامَ من إرجاع جميع أوجه القصور إلى الصراع. كما يعتقدون أن عقوداً من أشد العقوبات المفروضة على إيران لم توقف الدعم الذي يشمل تقديمَ الأموال النقدية لحلفائها الإقليميين، ومنهم «حزب الله» في لبنان، والحوثيون في اليمن، وفصائل في سوريا والعراق. وربما لم تعرقل تطويرَ البرنامجين النووي والصاروخي باهظَي التكلفة.
وقد يؤدي شعور النخبة الحاكمة بالانتصار بعد بقائها في وجه الهجوم الأميركي، على الأقل في الوقت الراهن، إلى انخفاض خطر اندلاع انتفاضة داخلية تقتلع نظام الملالي من جذوره.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
سكوت بيترسون*
*مسؤول شؤون الشرق الأوسط بصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»


