شكّلت نظرية الحدث الكلامي - المعروفة أيضاً بنظرية أفعال الكلام - إحدى الركائز الأساسية في حقل اللسانيات التداولية، كما تُعرف كذلك بـ (نظرية الحدث اللغوي) و(النظرية الإنجازية) و(نظرية الفعل الكلامي)، وغيرها من الصيغ التي تعكس الأبعاد المختلفة لهذه النظرية. ومرّت هذه النظرية بمرحلتين أساسيتين في تطورها: تمثّلت الأولى في مرحلة التأسيس على يد الفيلسوف واللغوي الإنجليزي جون لانغشو أوستن، فيما مثّلت الأخرى مرحلة النضج والضبط المنهجي على يد تلميذه الفيلسوف الأميركي جون سيرل، الذي قام بتطوير أفكار أستاذه وتنظيمها في إطار منهجي متماسك.
وتُعد اللغة في الخطاب السياسي قوة فاعلة تتدخل في تشكيل الواقع، وإعادة ترتيب العلاقات، وتوجيه الإرادات، وإنتاج المعاني التي تتحرك الجماعات في ضوئها، فالسياسي حين يتكلم يمارس - في كثير من الأحيان - أفعالاً تتحقق بالكلام نفسه، أو تنشأ عنه آثار تتجاوز حدود العبارة المنطوقة. وتُمثل الأفعال الإنجازية مدخلاً كاشفاً عن الطبيعة العملية للغة السياسية، فالخطاب السياسي يُقاس بما يُحدثه من تحولات في المواقف والتصورات والعلاقات وموازين القوة، والإشكالية المهمة - هنا - كيف تتحول الأفعال الإنجازية في الخطاب السياسي من صيغ لغوية إلى أدوات لممارسة السلطة، وبناء الشرعية، وتوجيه الرأي العام، وإعادة إنتاج الواقع السياسي؟
وللإجابة عن تلك الإشكالية أُشير إلى قضية مهمة ألمح إليها جون لانغشو أوستن عندما اعترض على التصور الذي يحصر وظيفة الكلام في وصف الوقائع والحكم عليها بالصدق أو الكذب، وأكد أن الإنسان يستطيع أن ينجز أفعالاً بمجرد التلفظ بعبارات معينة في ظروف مناسبة، فعبارات من قبيل (أعتذر)، و(أتعهد)، و(أعلن)، ونحوها تنطوي في عمقها الخطابي على قوة إنجازية تتحقق من خلال القول، غير أنّ القوة الإنجازية للخطاب لا تتطابق بالضرورة مع قدرته التأثيرية، فقد يتحقق الفعل الكلامي دون أن يتحقق أثره المنشود، أما جون سيرل فحاول تطوير نظرية الأفعال الكلامية، وقدم تصنيفاً معروفاً للأفعال الإنجازية يشمل الإخباريات، والتوجيهيات، والالتزاميات، والتعبيريات، والإعلانيات. واكتسب هذا التصنيف قيمة خاصة في تحليل الخطاب السياسي، شريطة ألا يتحول إلى قوالب جامدة، لأن العبارة السياسية الواحدة قد تحمل أكثر من قوة إنجازية، وربما تتغير وظيفتها تبعاً للمقام والمتكلم والجمهور والسياق المؤسسي، لأن القول السياسي يُعد حدثاً تداولياً تتداخل في تشكيله السلطة والمعرفة والمصلحة والتوقعات الاجتماعية، و- هنا - تبرز العلاقة بين اللغة والسلطة، فالسلطة تمنح بعض الأقوال قوة إنجازية مؤسسية، والخطاب يسهم في تمثيل هذه السلطة وتبريرها وترسيخ حضورها الرمزي. ولا يقتصر الخطاب السياسي على تفسير الوقائع وتقديم الوعود، بل ربما اتجه إلى التأثير في السلوك الجماعي عبر الأوامر والطلبات والدعوات، والتحذيرات، والحث والنهي، وتندرج هذه الأفعال ضمن التوجيهيات التي تستهدف حمل المخاطب على القيام بفعل معين أو الامتناع عنه، وتتضاعف فاعلية مثل هذه الصيغ حين ترتبط بقيم ذات مكانة وجدانية عالية، مثل: الوطن والأمن والاستقرار والكرامة والمصلحة العامة. وتبلغ اللغة السياسية درجة عالية من التعقيد حين لا تُصرّح بالفعل الذي تريد إنجازه، وإنما تترك للمتلقي استنتاجه، و- هنا - لا يستمد الكلام معناه من البنية اللسانية وحدها، وإنما من العلاقة بين المنطوق والمسكوت عنه، وبين المقاصد والافتراضات، وبين السياق والتوقعات المشتركة، ويكتسب مفهوم الاستلزام الحواري، كما بلوره بول غرايس، أهمية في تفسير هذه الظواهر، لأن المتلقي ربما يستنتج من العبارة أكثر مما تتضمنه دلالتها الحرفية، وهذا يقودنا إلى ما صنعه سيرل حيث ميّز بين (القوة الإنجازية) والقضية المعدة للتلفظ والتبليغ، على اعتبار أن القوة الإنجازية يمكن أن تكون مضمرة، وألمح إلى وجود تباينات بين (الأفعال الإنجازية) و(الألفاظ الإنجازية)، ذلك أن الألفاظ الإنجازية داخلة في اللغة وتُعد فرعاً عنها، وتبقى في مضمونها اجتماعية، في حين تتعلق الألفاظ الإنجازية بلغة خاصة يجعلها قابلة لأن تختلف من لغة إلى أخرى.
وينبغي التنبه إلى أن تحليل الأفعال الإنجازية في الخطاب السياسي المعاصر يقتضي التمييز بين مقامات عدة: مقام إنتاج القول، ومقام تداوله الإعلامي، ومقام تلقّيه وإعادة تفسيره.
ومن خلال هذا التحليل يتضح أن الأفعال الإنجازية ربما كشفت عن وجه بالغ الأهمية من وجوه الخطاب السياسي، يتمثل في أن اللغة تدخل في صميم ممارسة الفعل السياسي، وتنظيمه، وتبريره، ومقاومته.
*أستاذ بكلية الآداب واللغات - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


