في شمال غرب المحيط الهادئ، لم تَعُد أنواع من المحار والسرطان والأسماك التي كانت متاحة للجميع أطعمة يومية، بعدما أدى ارتفاع حرارة المياه والاضطرابات المناخية إلى تراجع أعدادها وتقليص مواسم جمعها وصيدها. كما زادت المخاطر الصحية المرتبطة بالبكتيريا والطحالب السامة، ما جعل شراء المنتجات المفحوصة من المطاعم والمزارع أكثر أماناً، لكنه أكثر تكلفة. فحبة المحار التي كان سعرها دولاراً واحداً باتت تُباع بنحو 4.50 دولار.
وارتفع سعر رطل سلطعون الملك الأحمر القادم من ألاسكا من 25 إلى 45 دولاراً عام 2016 ثم إلى 150 أو 160 دولاراً اليوم، بعدما أسهمت موجة حر بحرية في خليج بريستول في انهيار أعداده. كما زاد سعر سلطعون دانجينيس الكامل القادم من واشنطن من 8 إلى 13 دولاراً للرطل عام 2016 إلى متوسط يبلغ 25 دولاراً، بفعل نفوق جماعي لسرطان البحر مرتبط بالمياه الدافئة وازدهار الطحالب. وتراجعت أعداد سلمون الملك في نهر كوبر نحو 20 عاماً، جزئياً بسبب الإجهاد الحراري، ووصل سعر سمكة تزن 25 رطلاً صيفاً إلى 2000 دولار.
وتتقلب أسعار المأكولات البحرية بفعل التضخم والتوترات الجيوسياسية واللوائح التنظيمية وتحولات الأسواق الدولية وتكاليف الوقود والعمالة، لكن تغير المناخ أضاف موجات من الاضطراب. لكن على مدى العقدين الماضيين، أدت الظواهر المرتبطة بالتغير المناخي إلى زيادة حدّة هذه التقلبات. فقد تسببت اضطرابات متنوعة - مثل موجات الجفاف، والقباب الحرارية، وموجات الحر البحرية، والشذوذ في مستويات الجليد البحري، وتحمُّض المحيطات، والأنهار الجوية، وتكاثر الطحالب السامة - في زعزعة الدورات الطبيعية لمعظم أنواع المأكولات البحرية التجارية في منطقة شمال غرب المحيط الهادئ، فتحولت أطعمة يومية إلى مشتريات نادرة أو باهظة.
وتُغيّر الندرة نظرة الناس إلى الطعام، فالمحار الذي كان يُقدم مقابل دولار واحد، أصبح صنفاً فاخراً تُشرح للزبائن اختلافات أصدافه ومذاقاته بحسب البيئة البحرية. وقد يدفع ارتفاع الأسعار إلى تقدير الأغذية البرية، لكنه يعني أيضاً أن بعض الأنواع لم تعُد تظهر على الموائد. وبسبب تراجع أعداد «سلمون ستيلهيد» جزئياً مع ارتفاع حرارة المحيطات، بات بعض الصيادين يطلقونه مجدداً إلى المياه ليمنحوه فرصة للتكاثر. وأصبحت جوانب كثيرة من الحياة في سياتل أكثر تكلفة مع تدفق العاملين في قطاع التكنولوجيا ذوي الأجور المرتفعة، والذين انتقلوا إلى هناك للعمل في شركات مثل «أمازون»، وذلك منذ عام 2010 وما بعده.
ولا تقتصر الظاهرة على الساحل الغربي الأميركي. فقد كان سمك القد الأطلسي طعاماً عادياً لدى الطبقة العاملة. لكن الصيد الجائر أدى إلى وقف صيده لعقود للسماح للأعداد بالتعافي، دون أن تستعيد عافيتها كاملة، فيما تزيد حرارة المحيطات الضغط على الأسماك المتبقية. ويعني ذلك أنه إذا طُلب من الصيادين اصطياد كميات أقل لحماية المخزونات، فعليهم كسب دخل كافٍ، ما يتطلب ارتفاع الأسعار.
ورغم هذه التحديات، تبدو صناعة استزراع المحار في شمال غرب المحيط الهادئ أكثر قدرة على التكيف. فعندما تسبب تحمُّض المحيطات، الناتج من ارتفاع ثاني أكسيد الكربون، في نفوق يرقات المحار أواخر العقد الأول من القرن الحالي، طوّر المزارعون والعلماء أنظمة لمراقبة المياه، ونقلوا تفريخ اليرقات إلى مواقع أقل تعرضًا للخطر، واستخدموا معالجات لمعادلة الحموضة وتثبيت الإنتاج.
وتُعتبر بكتيريا الضمة مشكلة أخرى، إذ تنمو مع ارتفاع حرارة الهواء والمياه، وتشتد المشكلة في فصول الصيف شديدة الحرارة. وللحدّ من المخاطر، استثمرت مزارع في خزانات تنقية تزيل البكتيريا من المحار، ووزّعت عملياتها على مواقع متعددة كي لا يؤدي إغلاق منطقة إلى وقف الإمدادات.
وتفاقمت مشكلة الطحالب السامة أيضاً. فمنذ الصيف الماضي، رفعت موجة حر بحرية قبالة الساحل الغربي درجات الحرارة من 3 إلى 4 درجات فوق المعدلات الطبيعية، وفق الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي. ويحفز الدفء نمو طحالب «ألكسندريوم»، التي قد تسبب التسمم الشللي للمحار الذي قد يسبب الوفاة، إذ ترشّح المحاريات والسرطانات المياه وتراكم السموم في أجسامها. وأغلقت سلطات ولاية واشنطن جميع مواقع جمع المحار في قناة هود من يونيو إلى أغسطس، في ثاني إغلاق واسع النطاق. وسمح تعدد المواقع بمواصلة البيع من شواطئ آمنة، لكنه رفع تكاليف التشغيل وفرض خططاً بديلة.ودفعت زيادة الأسعار مطابخ سياتل إلى تقليل الهدر، فيُستخدم لحم السلطعون للتزيين وتُستغل أصدافه لإعداد المرق، كما يُشترى السلمون كاملاً للاستفادة من جميع أجزائه. ويرى البعض ضرورة التوقف عن تناول المأكولات البحرية البرية المحلية، بينما يرى آخرون أن استمرار تناولها مع حماية مخزوناتها يبقيها جزءاً من حياة الناس ويعزّز الدفاع عن بقائها. ويبقى السؤال: كيف نحافظ على هذه الموارد ونتيح الاستفادة منها من دون أن تصبح رفاهية للأثرياء وحدهم؟
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
* صحفية أميركية


