ترتبط العلاقات الدولية بحبل الواقع الراهن، إضافة إلى المعنى الاستراتيجي لتلك العلاقة التي يراد لها الاستدامة السياسية دون الوقوع في براثن الحروب التي تدمر ليس فقط البشر والحجر، بل ما يعيد إليهما الحياة الآمنة والمستقرة. التحالفات ينبغي أن تنشأ لحماية الشعوب وتحقيق حلمها في التنمية والرخاء، وهذا ما يجعل التحالفات متنوعة اقتصادية وتكنولوجية قبل أن تكون دفاعية وأمنية. ولنا في تجربة الاتحاد الأوروبي خير دليل، حيث بدأ التكتل من خلال اتحاد الصلب والفحم، ثم تطور الآن ليشمل 27 دولة، ويبحث التكتل الآن على تعزيز قدراته الدفاعية وأدوات الردع العسكرية، عبر ميزانيات مليارية وصفقات سلاح كبرى.
وعلى جدار حرب أوكرانيا، تستعد بولندا لاستضافة تدريبات عسكرية يشارك فيها نحو 1500 عسكري من دول «تحالف الراغبين»، بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا، تمهيداً لانتشار محتمل لهم في أوكرانيا الشهر المقبل، حسب ما نشرت صحيفة «ذا تايمز» اللندية يوم 17 أكتوبر 2026.
مبدأ التحالفات بند أساسي في ضمان سلميّة العلاقات بين الدول، ولكنه مع مرور الزمن، تتغير الظروف، وتطرأ الكثير من المستجدات، سواء على الصعيد الإقليمي أو على النطاق الدولي الأوسع لتزداد الحاجة إلى التحالفات بسبب الظروف المتغيرة المحيطة بالعالم من حولنا ومن ثم الإقليم من بعده، نظراً لتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية وغيرها.
لا بد من التأكيد على أن هذه التحالفات، ليس بالضرورة عسكرية، بل في معظم الأحيان، يظل الاقتصاد هو قاطرتها الرئيسية.
في أغلب الحالات الخيط الذي يربط بين هذه التحالفات هو «المصلحة المشتركة» وليست الصداقة فقط أو الرؤى المشتركة، كما ينبغي أن ترتكز التحالفات على القيم المشتركة.
كانت «الميكيافيلية» أو البراجماتية منذ قرون بعيدة هي التي تدور حولها رحى السياسة في العالم الغربي، وزاد على ذلك عند بدء الاستعمار بعض النظريات الحديثة في إخضاع الدول والشعوب، ففي أوروبا سادت فكرة «اجمع وتحكم» وفي أميركا نظرية «كيسينجر» «فرق تسد» وهي لا زالت سارية المفعول رغم مرور أكثر من قرن على تنفيذها.
لكن ماذا عن العالمين العربي والإسلامي؟ لا يوجد في هذا الوقت بالغ الخطورة لدى 57 دولة عربية وإسلامية نموذج لتحالف واضح يمكن الاعتماد عليه في الملمات وأوقات الأزمات. الشرق الأوسط يعاني من تحديات كبرى متتالية منذ خمسينيات القرن الماضي، ما يستوجب التحالف والتعاون لحماية المنطقة وضمان التنمية.
فالأطر السياسية القائمة على منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية وبعض التجارب الإقليمية الأخرى لم تنشأ على أساس تحالف يقي هذه الدول مصارع السوء، فلم يتفق الجميع على إنشاء حلف عربي إسلامي كحلف شمال الأطلسي أو حلف اقتصادي كمجموعة السبع أو حلف أمني كالأعين الخمسة.
وإذا أخذنا في الاعتبار عدد الحروب والأزمات التي مرت بها المنطقة العربية والشرق الأوسط ودول الخليج العربي بدأ من حرب 67، ثم حرب أكتوبر 73 نزولاً إلى حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وصولاً إلى غزو العراق للكويت في 1990، مروراً بغزو أميركا للعراق في العام 2003، والذي لم تزل آثاره حتى الساعة الراهنة، وتلت ذلك اضطرابات ما أسميه «الخريف العربي»، الذي أطاح ببعض الأنظمة العربية وفقاً لنظرية «الفوضى الخلاقة»، التي روجت لها مستشارة الأمن القومي الأميركي السابقة كونداليزا رايس، ولم تزل تلك الفوضى مستمرة، حتى حانت ساعة حرب الاثني عشر يوماً الأميركية - الإسرائيلية، على إيران في 2025، ثم جاءت الكرّة الثانية في 28 فبراير 2026 التي لم تنته بعد، وقد أوشكت على دخول شهرها الثامن.
هذه الأوضاع المستمرة في التصعيد بمنطقة الشرق الأوسط تستدعي التحالف بين الدول المتضررة بشكل مباشر، وتعزيز التضامن في المجالات كافة بما يحمي مصالح شعوب المنطقة، كما أن اضطرابات المنطقة عادة لا تقف آثارها السلبية عند الإقليم فحسب، بل تمتد تداعياتها لتطال العالم كله.


