لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة في يوم من الأيام دولةً تنتظر المستقبلَ حتى يأتي طارقاً أبوابَها، بل اعتادت دائماً أن تستقبله برؤية تستبق الزمن وتتقدم على العصر، وذلك بالاستناد إلى إرادة ووعي يؤمنان بأن الاستثمار الحقيقي هو ذلك الذي يبني المستقبل، ويبدأ من بناء الإنسان نفسه، باعتباره الثروة الأهم والركيزة الأساسية الأقوى للتنمية المستدامة الناجحة. ولعل التعليم كان ولا يزال أحد أبرز الشواهد على هذه الرؤية الوطنية التي جعلت من تنمية المعرفة جسراً ممتداً نحو المستقبل.
وعندما اجتاحت جائحة كورونا العالَمَ في عام 2020، ووجدت المؤسساتُ التعليميةُ نفسَها أمام تحديات غير مسبوقة، فقدمت الإماراتُ في تلك الظروف الاستثنائية تجربةً لافتة في إدارة الأزمات التعليمية، وذلك من خلال الانتقال السريع إلى نظام التعليم عن بُعد، مستفيدةً من بنيتها التحتية الرقمية واستثماراتها السابقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية. وقد تجلّت جاهزية الدولة في تدريب أكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية على منظومة التعليم عن بُعد، في خطوة عكست حجمَ الاستعداد المؤسسي الواسع لضمان استمرارية العملية التعليمية بكل فاعليتها ودون أي انقطاع أو توقُّف. ولم يكن ذلك مجرد انتقال من القاعات الدراسية والسبورة التقليدية إلى الاتصالات الرقمية والشاشات الذكية، بل هو بالإضافة إلى ذلك يمثل تجسيداً لمرونة مؤسسية أكدت أن الأزمات قد تغلق أبواب المدارس، لكنها لا ينبغي أن توقف أبواب المعرفة أو تعطل عملية بناء الأجيال. واليوم، تمضي الإماراتُ نحو مرحلة أكثر تقدماً، حيث لم يعد السؤالُ: كيف نوظف التكنولوجيا لاستمرار التعليم، بل أصبح: كيف نوظف المعرفةَ لصناعة تعليم المستقبل؟! ويتجلى ذلك في إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية في المدارس الحكومية بدءاً من العام الدراسي 2025–2026، إلى جانب الاستثمار الواسع في أنشطة البحث العلمي وجهود المؤسسات الأكاديمية المتخصصة، بما يعكس طموحَ الدولة إلى الانتقال من استهلاك المعرفة إلى المشاركة في إنتاجها وتطويرها.
وتأتي الملتقيات والمؤتمرات التعليمية التي تشهدها الدولة امتداداً لهذا التوجه الذي يجعل من التعليم رؤية وطنية، حيث أصبحت هذه الملتقيات والمؤتمرات التعليمية منصات لتبادل الخبرات واستشراف التحولات المستقبلية، ولذا دائماً ما تتحول مخرجاتُها إلى مبادرات وممارسات تعليمية ملموسة.غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في التكنولوجيا وحدها، وإنما في الإنسان الذي يوظفها ويطورها. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يحل محل رسالة المعلم الإنسانية، أو أن يعوض دورَ التربية في غرس القيم والهوية الوطنية. ومن هنا تتجلى أهميةُ إعداد أجيال لا تكتفي بالحصول على الإجابات، بل تمتلك شجاعة طرح الأسئلة، ومهارات التفكير النقدي الخلاق والإبداع المثمر والتعلم المستمر.
إن تجربة الإمارات تؤكد أن التعليم ليس مجرد قطاع تنموي، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الأوطان. فمن استمرارية التعليم خلال الجائحة إلى استشراف آفاق الذكاء الاصطناعي، تواصل الإمارات ترسيخ قناعة مفادها أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالعلم والإرادة والاستثمار في العقول.
والأوطان العظيمة لا تكتفي بأن تُعلّم أبناءَها كيف يعيشون في المستقبل، بل تمنحهم القدرةَ على صناعته، وتلك هي الإمارات، وطنٌ يستثمر في الإنسان، ليصنع الإنسانُ مستقبلَ وطنه.
*كاتبة إماراتية


