وقع الرئيس الأميركي جورج بوش في السادس عشر من أكتوبر الماضي مشروع قانون يلزم وزارة الخارجية برصد وإحصاء الأعمال المعادية للسامية في العالم وتقويم مواقف الدول من هذه الأعمال. وينص القانون على ضرورة استمرار الولايات المتحدة في جهودها لمحاربة عداء السامية في العالم. ثم يضيف القانون، ذراً للرماد في العيون، إن الحرب ضد العداء للسامية ستتم بالتعاون مع منظمات مثل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، (ويأتي ذلك في الوقت الذي رفض فيه الرئيس بوش التوقيع على المعاهدة الدولية الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية بزعم أنه لن يسمح أبدا بأن يقوم قضاة أجانب بمحاكمة جنود أميركيين متهمين بارتكاب جرائم حرب. بل إن الرئيس بوش أقر قانونا يلزم الدول التي تتلقى معونات من الولايات المتحدة بتوقيع تعهد بأنها لن تسعى للمطالبة بمحاكمة الجنود الأميركيين أمام تلك المحكمة الجنائية الدولية). كما نص قانون معاداة السامية على تكليف وزارة الخارجية برصد الأعمال المعادية للسامية في العالم وتقديم تقرير عنها في موعد قبل الخامس عشر من نوفمبر 2004 إلى كل من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ولجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب على أن يتضمن هذا التقرير الآتي:
- رصد أعمال العداء للسامية والعنف ضد اليهود في جميع المؤسسات كالمدارس والمعابد في جميع الدول.
- رصد الجهود المبذولة من الحكومات للتأكد من تطبيق القوانين المتعلقة بحماية حقوق الحرية الدينية لليهود.
- رصد الأعمال الدعائية في وسائل الإعلام الحكومية وغير الحكومية التي تبرر الكراهية لليهود أو تحرض على العنف ضدهم.
ويتضمن القانون الذي أصبح ملزما لأية إدارة أميركية قيام وزارة الخارجية بإنشاء إدارة جديدة لمراقبة الأنشطة المعادية للسامية على مستوى العالم، وتعيين مبعوث أميركي عالي المستوى لمراقبة تنفيذ القانون، وإصدار تقرير سنوي يوضح الإجراءات التى قامت بها جميع الدول لمكافحة هذه الظاهرة. ويتكون القانون من شقين أحدهما رصدي قائم على تقييم حجم الظاهرة وانتشارها وتعامل الدول معها وتصنيفها وفق هذه الممارسات ومدى التصدي لها أو السماح بها ومن ثم تحديد موقف الولايات المتحدة منها، سواء بمقاطعتها ومعاقبتها وفرض العقوبات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضا عليها. والشق الآخر عقابي قائم على وضع الإجراءات التي يجب على الولايات المتحدة القيام بها للتعامل مع الحالات غير الملتزمة بالقانون بالإضافة إلى ما يحدده القانون من جملة من الخطوات التي تشمل الرقابة على دور العبادة والمناهج التعليمية والإعلامية.
ومن الجدير بالذكر أن وزارة الخارجية الأميركية اعترضت على هذا القانون قبل توقيع الرئيس الأميركي عليه، وأكدت في مذكرة رفعت إلى السيناتور الديمقراطي "توم لانتوس" في يوليو الماضي في أثناء مناقشة القانون، أن إنشاء مكتب يختص بمراقبة العداء للسامية من شأنه أن يقلل من مصداقية الولايات المتحدة ويعكس المحاباة وعدم التوازن في سياستها في قضية حقوق الإنسان. ومعارضة وزارة الخارجية تنتمي إلى نمط متكرر عبر تاريخ الولايات المتحدة، فآراء وزارة الخارجية دائما أكثر عقلانية لأن القائمين عليها يدركون بحكم عملهم طبيعة المجتمعات الأخرى، ويعرفون أن مصالح الولايات المتحدة تتجاوز المصالح الإسرائيلية ومصالح الجماعات اليهودية. من هنا كانت الخارجية الأميركية ضد اعتراف أميركا بإسرائيل عند نشأتها، ولكن "ترومان" تجاهل توصيات وزارة الخارجية. وأخيرا كان موقف كولن باول وزير الخارجية الأميركية من الحرب ضد العراق أكثر عقلانية من وزير الدفاع رامسفيلد، ومرة أخرى تم تجاهل موقفه.
ويمكن القول إن معارضة وزارة الخارجية ليس لها تأثير كبير، خاصة في ظل معركة الرئاسة الشرسة، وتصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط والمصالح الرأسمالية للنخبة الحاكمة. فضلا عن أن المواطن الأميركي نفسه غير مدرك تماما للأبعاد والتضمينات المختلفة لصدور مثل هذا القانون، ومن ثم أصبح من السهل تمريره دون معارضة قوية.
وقانون مراقبة معاداة السامية هو مجرد حلقة ضمن سلسلة قوانين أميركية عديدة، وجزء من الهجوم الأميركي على العالم. فالولايات المتحدة تريد تأكيد هيمنتها، وتتخذ من مسألة الديمقراطية أحيانا وحقوق الإنسان أحيانا أخرى ثم أخيرا معاداة السامية تكئة للتدخل في شؤون الدول الأخرى خاصة العالم العربي، وفرض سياستها ورؤيتها الخاصة. ولا يمكن فصل هذا التحرك الأميركي عن موقفها من سوريا ومن "حزب الله" والفصائل الفلسطينية وتهديدها لهم ودعمها اللاعقلاني لإسرائيل. ويأتي إصدار مثل هذا القانون في إطار سياسة أميركية واضحة تهدف إلى الهيمنة على العالم، دفعتها إلى الحرب على أفغانستان ثم احتلال العراق وأخيرا تفويض السفارات الأميركية في العالم أن تكون "واحات للديمقراطية" في العالم وأن تتصل بالجمعيات الأهلية وأحزاب المعارضة التي تنادي بالديمقراطية (حسب التصور الأميركي بطبيعة الحال) وهناك ح