ذكر لفظ رمضان في القرآن الكريم مرة واحدة في آية (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان· فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر· يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر· ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون) (2:185)·
ولفظ رمضان يعني اشتقاقا الحر، من فعل رمض أي اشتد الحر، ولما نقلت أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر رَمَضَ الحر· فإذا ما وافق الشهر الحر كان ثوابه أعظم· ونظرا لدورة السنة الهجرية فإنه ينتقل من الصيف إلى الشتاء رجوعا إلى الوراء· وتظل النية الأولى صادقة·
وفي هذا الحر الشديد القيظ، والقدرة على السيطرة على حاجات البدن إعلانا لاستقلال الإرادة وسمو الروح والإحساس بالمحرومين والفقراء والجائعين والعطشى ينزل الوحي بعد أن تهيأت النفس له· استعداد البدن مقدمة لاستعداد الروح· وتهيؤ الروح مقدمة لنزول الوحي·
هذا القرآن بينات من الهدى والفرقان، يبين الخير ويميزه عن الشر حتى يهتدي الإنسان في عمله، ويفرق بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ، نظرا وعملا· مهمة القرآن البيان ورفع الخلط ومساعدة البصيرة بعيدا عن أهواء البشر ونسبيتها·
والصوم مشتق من فعل صام ويعني الإمساك عن الطعام أو الاعتدال كما يقال صام النهار أي قام قائم الظهيرة وصامت الريح أي توقفت عن الحركة· والصوم هو الصمت أيضا في آية (إني نذرت للرحمن صوما) (19:26)· فالصوم استقامة، ورفع القامة وسمو الهامة، وليس الهزال أو الضعف أو الاستعياء·
ولما كان الصوم وسيلة لاستقامة الإنسان بدنا وروحا، فالمرض أو السفر مانعان يؤجلان الصوم إلى وقت آخر· فالإسلام يسر وليس عسرا، وليس في هذا الدين حرج، ولا يجوز تكليف ما لا يطاق·
والصوم شهر بكماله وتمامه، تمييزا لشهور العام في أوقات متميزة مثل تميز أوقات الصلوات في النهار· يتطلب التكبير والشكر على الهدى· فشكر المنعم عند المعتزلة من الواجبات العقلية·
هذه هي المعاني المتضمنة في الآية الوحيدة التي ذكر فيها لفظ رمضان في القرآن الكريم·
بينما ذكر لفظ رمضان في القرآن الكريم مرة واحدة ذكر لفظ الصوم ومشتقاته أربعة عشرة مرة بستة معان مختلفة تدور كلها حول وظيفة الصوم· وهي معان متكاملة تربط الصوم بالتاريخ وبالله وبالآخرين·
أولا: الصوم سنة عن الأمم السابقة (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (2:183) تواصلا مع الديانات السابقة· فالإسلام لم يبدع سنة جديدة بل أقر سنة كانت موجودة في الشرائع السابقة، في اليهودية والمسيحية· فجوهر العبادة واحد وإن اختلفت أشكالها· والإسلام آخر شريعة تكمل الشرائع السابقة بعد تأكيدها·
ثانيا: الصوم شهرا في العام من أجل التمييز بين الشهور دون صوم الدهر كله أو إفطار العمر كله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (2:185)· كما تتميز أوقات الصلوات أثناء النهار عن باقي ساعاته· وهو تأكيد على الإحساس بالزمن وبأن الأوقات للأفعال· كما أنه صوم منذ الشروق حتى الغروب وهو إحساس آخر بالزمن، زمن النهار المتميز عن زمن الليل·
ثالثا: الصوم صمت، وهو أحد مظاهر العبادة ضد اللغو والمجادلة كما فعلت مريم ابنة عمران (فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيا) (19:26)، ومظهر من مظاهر التقوى الباطنية، والثقة بالنفس، واتهام الزور، وبراءة الإيمان·
رابعا: لا فرق في أداء الصوم بين الرجال والنساء (والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات) (33:35)· كما لا فرق بينهم في الإسلام، والقنوت، والإيمان، والصدق، والصبر، والخشوع، والصدقة، وحفظ الفروج، وذكر الله· يتساوى الرجال والنساء في التكليف· والتكليف واجب· والمساواة في الواجبات تقتضي المساواة في الحقوق·
خامسا: لا يمنع الصيام من معاشرة النساء بعد الإفطار (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (2:187) دون المساجد، وطيلة الليل تخفيفا عن الأمة، واعترافا بحاجة الرجال إلى النساء وحاجة النساء إلى الرجال· كان الصوم قبل ذلك أثناء النهار· وحين يفطر الصائم يحق له الطعام ومعاشرة النساء· فإذا غفلت عيناه ونام يصبح صائما إلى اليوم التالي· ولم يستطع عمر بن الخطاب بعد أن غفا ثم استيقظ أثناء الليل أن يمنع نفسه من معاشرة زوجه· فنزلت آية التخفيف (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) (2:187)· والإسلام دين اليسر وليس دين العسر· لا رهبانية فيه ولا نسك· لا صوم الدهر كله ولا قيام الليل كله، ولا العزوف عن النساء·
والمعنى السادس للصوم في القرآن الكريم هو وظيفته في التكفير عن الذنوب وتطهير النفس· فالذنب ضعف في الإرادة والصوم تقوية لها· والإثم تهاون في الروح والصوم إعلاء لها· ويذكر القرآن ذنوبا سبعة·
1- الإفطار في رمضان دون سبب أو عذر، سفر أو مرض· (فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم) (2:184)· ولكن إطعام المسكين له الأولوية على الصوم أي التكفير الفعلي عن الذنب بإطعام المسكين، وهو الهدف م