لا تبنى الأوطان على أسس طائفية ولا تؤسس لها الانتماءات الضيقة والصغيرة أياً كانت مشاربها، فالانتماء الوطني يبقى الأضمن والأشمل، وهو الانتماء الجامع والمواكب لمسيرة التاريخ ومتطلبات العصر. وبطبيعة الحال ندرك أن الردة الطائفية في العديد من الأحيان ولدت من التعصبات الصغيرة دينية كانت أم إثنية ومن تعدد الانتماءات وغموضها، وهو جانب طالما عانى منه عالمنا العربي. واليوم تعود هذه العصبيات الصغيرة، وبقوة، إلى الواجهة في الساحات المأزومة، كالساحة العراقية في ردة فعل عنيفة على ممارسات النظام البائد، ندرك ذلك كله ولكننا لا نتقبله لأن في مثل هذه الحلول والمعادلات بذور مشاكل مستقبلية لها أول وليس لها آخر.
نرى المحاصصات الطائفية في أبشع صورها في التعامل اللبناني الداخلي وبعد الخروج السوري الذي كان جاثماً على الصدور اللبنانية، والإجماع الوطني الذي نضج إثر اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، سرعان ما تأثر سلباً لصالح انتماءات فئوية ترى مصالح الجماعات وكأنها تتناقض مع مصلحة الوطن، والنتيجة أن مثل هذه التوجهات لا تبلور برنامجاً عصرياً حديثاً للمستقبل. وواقع الحال كما نتابعه يؤصل مجدداً لطرح وجدل طائفي يطال حتى تعيين موظفي الدولة، ومن شخصيات تتحدث على ساحة الإعلام العربي حول الثوابت والمقاومة وشعارات عديدة أخرى تدغدغ مشاعر الشعوب. وشتان ما بين الشعارات والتصريحات على الساحة الإعلامية العربية والممارسة اليومية التي تتربص بكل خطوة لتجيرها لمصلحة هذه الطائفة أو تلك، ومثل هذه الروح والعقلية لن تعينا لبنان في تبوؤ المركز العربي الذي يتطلع إليه وخاصة بعد تفكيك العقلية الأمنية والاستخباراتية السائدة التي كانت تتحكم في البلد لفترة طويلة.
وتأتي دعوة السيد عبدالعزيز الحكيم رئيس قائمة الائتلاف العراقي، التي تتناول إقامة فيدرالية تضم تسع محافظات شيعية في الجنوب والوسط العراقي، بنفس هذه الروح الطائفية البغيضة، وهي الدعوة التي ترى جزءاً من الوطن لا الوطن كله، وجزءاً من الشعب لا الشعب كله. تأتي هذه الدعوة في الساعات الحرجة لوضع مسودة الدستور العراقي، فتضيف للتأزم تأزماً، وترفض الزعامات السياسية المسؤوليات الوطنية لتتقوقع طائفياً وإثنياً، وما هكذا تبنى الأوطان. وأتساءل موجهاً حديثي للعديد من الإخوة والمعارف العراقيين: أين تبخرت تأكيداتكم المتكررة بأن العراق لا يمكن أن يكون طائفياً؟ وأن العراقيين تزاوجوا واختلطوا وتعايشوا على مرّ السنين، وبالتالي لا يمكن أن تعشش الطائفية في أوسطاهم، فما الذي استجد؟ وما الذي فتح الساحة لمثل هذه الطروحات المفرقة؟ ولم أصبحنا نرى التفاصيل الطائفية ويغيب عنا الفضاء الوطني الأرحب؟
بطبيعة الحال ستكون هناك العديد من التفسيرات والتبريرات، ولا شك أن العديد منها سيستند إلى معطيات ومسببات واقعية، ولكنها في النهاية تبقى، بل وتضيف للخيار الطائفي. ونضيف أن الطائفية والعديد من الولاءات الأخرى تنافست تقليدياً على صفحات التاريخ العربي الحديث وأضعفت من قدرة الدولة الحديثة على تثبيت أركانها، وتسبب التشتت هذا في اضطراب الساحة السياسية، وما نراه في الحالة العراقية والتطورات اللبنانية من ضمن هذا السياق. والحل بطبيعة الحال لا يكمن في التفسيرات الأيديولوجية القديمة والتي عميت بصيرتها عن تنوع العالم العربي وألوان فسيفسائه الغنية، ولكن من خلال أوطان تحترم التنوع وتضم الكل دون اعتبارات طائفية تفرق ولا تجمع.