بين ما يعرضه عن المنعطفات الحادة في تاريخ العراق المعاصر، وبين مشاهداته الشخصية أو ما تلقاه من روايات شفهية كثيرة، يدخل بناء الدكتور علاء بشير في كتابه "كنت طبيبا لصدام" إلى العالم الخاص لواحد من أقسى الحكام المستبدين الذين حكموا بقبضة حديدية هذا البلد العريق والمسكون بفتنه وصراعاته الطويلة. وفيما يشبه الاعتذار المسبق عن أي تعاطف عرضي مع الرئيس المخلوع، يقول الدكتور علاء بشير: "لم أكن أبدا عضوا في حزب البعث ولا غيره، لم يكن هناك أي شيء يربطني به أو بعائلته أو بالعصابة التي لا أمل فيها". وينقل المؤلف صورا للعنف والقسوة اللذين ميزا تاريخ العراق الحديث، بما في ذلك أفعال البريطانيين خلال وجودهم كقوة انتداب في البلاد، إضافة إلى مظاهر البشاعة التي رافقت عملية إسقاط الملكية ثم انقلاب إسقاط الرئيس عبدالكريم قاسم، ومن بعده الانقلاب الدموي الذي أطاح نظام عبدالرحمن عارف، وأخيراً ما وقع من بطش وتنكيل خلا عهد صدام، وهي أحداث ومراحل عايش الدكتور علاء بشير معظمها، ليربط ضمنا بين الصور والحقب المختلفة للعنف باعتباره نتاجا لشخصية العراق.
ويؤرخ الدكتور بشير لقصة حياة صدام، ذاكرا أحوال طفولته البائسة وتربيته على يدي خاله، قائلا إنه سمع باسم صدام لأول مرة خلال محكمة المهداوي الشهيرة التي حكم عليه غيابيا خلالها بالإعدام لدوره في محاولة اغتيال الرئيس قاسم. كما يعرض للظروف والملابسات التي أحاطت بصعود ذلك الشاب البعثي ذي البنية القوية إثر دوره في انقلاب يوليو 1968 الذي أطاح بالرئيس عبدالرحمن عارف، ليصبح نائبا للرئيس أحمد حسن البكر.
وعبر سرد شيق يحمل الكثير من سمات القص الأدبي، يصف المؤلف في مواضع مختلفة من كتابه نوع العلاقة بينه وبين الديكتاتور السابق، قائلا عن بدايتها: "لقد اقتادوني لأصبح طبيبا متخصصا ضمن فريق أطبائه قبل حوالي عشرين عاما دون أن أطلب ذلك أو أرفضه"؛ فعندما كانت الحرب العراقية الإيرانية تشرف على نهايتها، وكان المؤلف حينها رئيسا لقسم الجراحة التقويمية والتجميل في مستشفى الواسطي الذي يستقبل المصابين العائدين مباشرة من ساحة القتال، أخبره الحرس الخاص "إن صدام يرغب في رؤيتك بمكتبه"، وفي ذلك المكتب "لم تبد مظاهر فخامة وأبهة غير عادية على أثاث الحجرة... كان صدام يجلس إلى مكتب من خشب الماهوجني، وكان كل شيء على درجة عالية من النظام والترتيب".
أجرى الدكتور علاء بشير أول عملية جراحية لصدام في مطلع فبراير عام 1991، ففي ليلة من ليالي ذلك الشهر وحينما كانت بغداد غارقة في ظلام دامس وسط موجات القصف الجوي والصاروخي، تعرض صدام حسين لحادث سير عند أحد التقاطعات في المدينة، ليتم استدعاء الدكتور بشير إلى مستشفى الواسطي الذي كان يعج بأفراد الحرس الرئاسي الخاص، فوجد صدام ممدا في غرفة الجراحة وقد غطى الدم نصف وجهه وفي ذقنه جرح غائر، بينما يتدلى على باطن كفه خنصره الأيمن الذي لم يعد يربطه باليد سوى جلد رقيق. ويذكر المؤلف أن صدام سأله إن كان يمكن الاستغناء عن وضع الضمادات على الوجه، إذ سيجتمع في اليوم التالي مع بريماكوف، وبالفعل نقلت التلفزيونات في جميع أنحاء العالم صور اجتماعه مع وسيط السلام الروسي، دون أن ينتبه أحد إلى أن بوجهه إصابات تمت خياطتها. وفي عام 1999 قام الدكتور بشير بعلاج صدام وأجرى له جراحة لاستئصال مسامير في قدمه اليمنى، ونصحه بالتخلي عن ارتداء الأحذية الضيقة، لكن المسامير عادت إليه وتعرضت قدمه لنزيف حاد، استدعي على إثره المؤلف ليعالج الرئيس الذي اعترف بأنه لم يتبع تعاليم طبيبه. ووفقا لما يذكره الدكتور بشير فإن صدام كان لا يخشى ألم الجراحة ويتحمله دون الحاجة إلى تخدير، وفيما كان يحتقر الأطباء ويقول عنهم دائما إنهم لا يهتمون إلا بتحقيق الثراء على حساب مرضاهم، "كان يحترمني لتميزي في اختصاصي في الجراحة التقويمية والتجميل، وكذلك كفنان في فن الرسم والنحت، وربما لأني لم أكذب عليه في الإجابة عن أسئلته رغم امتعاضه من بعضها...".
ويثير الدكتور بشير الشك في صدقية تاريخ ميلاد صدام المعلن رسميا: "...أشك في أن يوم الثامن والعشرين من شهر أبريل من عام 1937 هو يوم ميلاده الحقيقي؛ فبخبرتي كجراح تجميل لازمته لأكثر من عشرين عاما قمت فيها بفحصه وعلاجه مرارا وتكرارا، تأكد لي أنه أكبر من ذلك التاريخ الذي يدعيه بعدة أعوام".
وينفي المؤلف ما قيل من أن الذي ظهر يوم 6 أبريل 2003 في شارع المنصور ببغداد هو أحد بدلاء صدام، قائلا إنه لا وجود لأولئك البدلاء؛ "فلم أقم أنا ولا أحد من زملائي بإجراء أية عملية تجميل لأي شخص لكي نجعل منه شبيها لصدام، ولو كان له بدلاء لكنا عرفنا بالأمر".
ويذكر الدكتور بشير أنه عالج العديد من أفراد عائلة صدام، بمن فيهم زوجته الثانية سميرة شاهبندر من إصاباتها خلال حادث السير الذي تعرض له صدام عام 1991، كما عالج وطبان إبراهيم الأخ غير الشقيق لصدام، من طلق ناري على يدي عدي صدام عام 1995، كما عالج زوجة صدام ساجدة خير الله طلفاح، و


