تكمن أهمية هذا الكتاب في تعقبه للمسار الفلسفي لأحد أقطاب الفكر الأميركي هو المفكر والمنظر السياسي ليو شتراوس (1899-1973) الذي يعتبر الأب الروحي لتيار المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية الحالية. وتستند أفكار هذا الفيلسوف إلى نوع من المحافظة السياسية تجد جذورها في الكتب الفلسفية القديمة التي ترجع إلى أفلاطون. ويحاول المؤلف أن يتعقب تلك الأفكار عبر التاريخ وكشف ظلالها التي مازالت ممتدة إلى وقتنا الحاضر في فكر المحافظين الجدد. والمؤلف من خلال هذا الكتاب يضع إصبعه على نقاط التقاطع بين فكر هذا الفيلسوف المناهض لأشكال الليبرالية الفجة، خصوصا تلك المتصلة بقضايا الفكر، وأجندة المحافظين داخل الإدارة الأميركية ذات الميول العسكرية الواضحة. وليس غريبا أن يتتلمذ على يد هذا الفيلسوف أساطين المحافظين الجدد من أمثال نائب وزير الدفاع السابق بول وولفوفيتز ووزير التعليم ويليام بينيت، ثم روبرت بورك المرشح السابق لمنصب رئيس المحكمة العليا، إضافة إلى ويليام كريستول المحرر في صحيفة "ويكلي ستاندرد" ذائعة الصيت.
ويركز المؤلف على إحدى أهم الأفكار التي جاء بها شتراوس والمتمثلة في تحليله الفلسفي للتناقضات التي تحفل بها الليبرالية كفكر سياسي يقوم على نقض الثوابت الأخلاقية والاستعاضة عنها بعقلية نفعية تؤمن بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة. كما يرى شتراوس أن الليبرالية كفكر ما هي إلا امتداد للحداثة المتطرفة معتبرا أن نقد الليبرالية ومحاولة مساءلة أسسها الفلسفية يجد تبريره في أن الليبرالية لا تخفي ميلوها إلى النسبية، وفي بعض جوانبها المتطرفة إلى العدمية. وبخصوص أميركا يرى شتراوس أن أساسها الفكري يرتكز على مزيج من التقاليد الرومانية الإغريقية القديمة من جهة، والفلسفة السياسية المعاصرة من جهة أخرى. ويصر المحافظون الجدد، الذين يعتبر شتراوس عرابهم الأول، على أن أهم أخطاء الليبرالية هو تخليها عن العنصر الديني في التقاليد الأميركية، وانحيازها إلى الفكر السياسي المعاصر الذي يسقط من حسابه الإرث الإغريقي ويضعه على الهامش. وهنا يأتي دور شتراوس، في رأي المؤلف، ليعالج اختلالات الحداثة بميلها المفرط نحو النظريات الحديثة عن طريق استرجاع الشرعية الفكرية للفلسفة السياسية الكلاسيكية، وإعادة القيم الدينية إلى المتن السياسي والفكري. وقد بدأ شتراوس بالتحرك في العالم الأكاديمي خلال سنوات الخمسينيات عندما فاجأ زملاءه بإصراره على رد الاعتبار للفلسفة كحاضنة أساسية للفكر السياسي في وقت كانت الجامعة الأميركية غارقة في موجة الفكر البنيوي "العلمي" مطالبا بإحلال الفلسفة السياسية محل العلوم السياسية. ولم تكن مثل هذه الأفكار لتلقى قبولا في الأوساط الأكاديمية، خصوصا في تلك الفترة حيث الاتجاه جارف نحو كل ما هو علمي وتجريبي. وقد تساءل العديد من الباحثين حينها عن علاقة الفلسفة بالسياسة، وعن قدرة الفلسفة على التصدي للإشكالات السياسية المعاصرة. لكن شتراوس أصر على مطلبه ونجح في إدخال مادة "فلسفة السياسة" في الجامعات الأميركية بجانب مادة العلوم السياسية.
ويصل الكاتب إلى نقطة مهمة في المسار الفكري للفيلسوف المحافظ شتراوس المتمثلة في محاولته فهم فلاسفة العصور القديمة ليس انطلاقا من نظرة معاصرة تطبق النظريات الحديثة في العلوم الإنسانية، بل دراستهم انطلاقا من نظرة هؤلاء الفلاسفة للعالم. والنتيجة حسب المؤلف أننا نصبح أحرارا في تطبيق وجهات نظر القدماء على القضايا السياسية المعاصرة، ونتحرر كذلك من محدودية النظرة المعاصرة التي غالبا ما تكون طرفا في الصراعات السياسية، وبالتالي لا يتاح لها النظر بعين مجردة للقضايا الطارئة. وينتقل الكاتب لاستعراض رأي ليو شتراوس حول موضوع الحداثة التي ينتقدها بشدة. فحسب شتراوس تلجأ الحداثة إلى تعريف الإنسان على أنه خارج الطبيعة ومناقض لها، حيث يظل هدف الإنسان هو إخضاع الطبيعة وتطويعها لخدمته. ومن هنا تبرز رغبة الإنسان في تحقيق سعادته الشخصية التي لم تعد تستند إلى القيم الطبيعية التي جبل عليها، بل على أشياء خارجة عن الطبيعة، وخارجة عن الذات تجد مكانها في الأمور المادية المحيطة به. ولأن الإنسان يفقد علاقته الوثيقة بالطبيعة، ويبدأ في تلمس طريقه خارجها بمعزل عن أي هدف فهو يفقد إيمانه بالخالق الذي هو ضرورة تمليه الفطرة الإنسانية، مؤديا إلى سقوط الحداثة في فخ الإلحاد. وفي النهاية يفضي هذا الاختلال في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، مع تغييب هذه الأخيرة واحتلال الإنسان مركز الكون، إلى إسقاط الواجبات الإنسانية مقابل الرفع المبالغ فيه من شأن الحقوق.
لذا يصل شتراوس من خلال نقده للحداثة والليبرالية معا إلى الثمن الفلسفي الفادح للحرية المطلقة والمتمثل في فقدان الهدف الذي يقود إلى الانحلال والعدمية. وينتقل بنا المؤلف إلى موقف شتراوس من الليبرالية الذي لا يختلف كثيرا عن موقفه من الحداثة حيث يصفها بالملتوية وغير الأخلاقية لأنها أسقطت القيم من حسابها وقطعت علاقة الإنسان بالطبيعة، وه