يتقلص الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الشمالية بمعدل 10% كل 10 سنوات، الأمر الذي يثير مخاوف حيال حدوث تسخن في جو الأرض·
وقد دعا الباحثون الأميركيون أخيراً إلى شن هجوم علمي دولي على سقف العالم، حيث يعاني المناخ والغطاء الجليدي والحياة النباتية والحياة الحيوانية من تغيرات عميقة جوهرية يعزوها الكثير من العلماء إلى تسخن الكرة الأرضية·
إن أكثر ما يثير قلق واهتمام العلماء تقلص الغطاء الجليدي القطبي، وانخفاض صلابة قشرة الجليد الدائم في سهول التوندرة القطبية· ويقول العلماء إن هاتين الظاهرتين من المرجح أن تطلقا العنان للتغيرات التي من شأنها أن تؤثر في كل شيء بدءاً بنموذج الهطول المطري والثلجي الشمالي، ووصولاً إلى الطرق التجارية عبر البحار الشمالية·
يقول العالم ماثيو ستورن محذراً: هذه التغيرات غير قابلة للإلغاء والإبطال· إنها تتكاثر وتستمر· ويعمل ستورن بالتعاون مع مختبر بحوث وهندسة المناطق الباردة )LERRC( التابع لفيلق المهندسين في الجيش الأميركي، ويقع في منطقة فيربانكس بولاية ألاسكا·
ويقول ستورن وغيره من العلماء إن السؤال الرئيسي يتمحور حول إيجاد طريقة لتحقيق فهم أفضل لشدة ومدة التغيرات التي يرونها الآن·ويعترف مارك سيريز، وهو باحث لدى جامعة كولورادو، قائلاً: ليس من الواضح لنا كم يبلغ مقدار التغيير الذي يمكننا أن ننسبه إلى التأرجحات والتقلبات المناخية الطبيعية، أو إلى تأثير النشاطات البشرية في المناخ·
ويضيف سيريز وغيره من العلماء أن عمليات الرصد التي يقومون بها تتطابق على وجه العموم مع التوقعات التي تقدمها نماذج كثيرة خاصة بمناخ الكرة الأرضية، وذلك عندما تأخذ في الحسبان انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون التي تصدر عن البشر· ويضيف سيريز قوله: إننا نحتاج إلى تمييز وإدراك أن التغيير حاصل وموجود، وإننا مضطرون إلى التكيف معه·
وتأتي الدعوة إلى إجراء عمليات مراقبة وبحث في المنطقة القطبية الشمالية متزامنة مع اجتماع انعقد أخيراً وضم أكثر من 400 عالم من جميع أنحاء العالم في مدينة سياتل الأميركية، وقد كان الاجتماع محاولة لرسم الخطوط الرئيسية للمناهج المتبعة في تعقب الظروف الطويلة الأمد في المنطقة القطبية الشمالية والتنبؤ بها·
كما تأتي هذه الدعوة أيضاً في وقت أدت فيه مصاعب الميزانيات إلى إرغام كل من روسيا وكندا إلى إغلاق أو حتى إزالة النشاطات التي تجري في عدد من محطات الأحوال الجوية الموجودة في أقصى الشمال، وهي المحطات التي وفرت سجلات بالغة الأهمية عن الطقس والأحوال الجوية في معظم القرن العشرين·
وتتركز الاهتمامات الأكثر مباشرة وإلحاحاً على الجليد البحري وعلى طبقة الجليد الدائم· وباستخدام بيانات ومعلومات جمعتها الأقمار الاصطناعية على مدى 20 عاماً، يعمل جوزفينو كوميزو، وهو باحث في معهد غوددارد للطيران الفضائي في غرين بيلت بولاية ميريلاند الأميركية، في إجراء الدراسات فيلاحظ أن الطبقة الجليدية السميكة التي تغطي معظم مساحة المحيط المتجمد الشمالي قد تناقصت سماكتها بمقدار 20 في المئة على مدى السنوات العشرين الماضية، ويعلق على ذلك بقوله: لقد كانت مفاجأة كبيرة·
الثلج الموسمي يأتي ويذهب، وهو يترك بعد هطوله جليداً دائماً يتولى وظيفة حماية قسم كبير من المحيط المتجمد الشمالي من التسخين الذي يتولد عن أشعة الشمس· كما يقدم الجليد أيضاً وسيلة لتقليص الدفء الذي يوفره المحيط ويؤثر به على الغلاف الجوي الموجود فوقه·
ويلاحظ الباحثون أن إخفاق المحيط المتجمد الشمالي في التجمد في فصل الشتاء يؤدي إلى رفع الحرارة السطحية بمقدار 4,5 درجة فهرنهايت (أي ما يعادل تقريباً 15,2 درجة مئوية)· ومع تقلص كتلة الجليد الدائم، واتساع مساحة الماء المكشوف وبرك النطاق القاتم (الناتج عن ذوبان الجليد) ومع امتصاص الماء لمزيد من الحرارة، عندئذ لا بد من حدوث تسارع في عملية التسخين الذي يحدث أصلاً·
وهناك مثال حديث على ذلك: على مدى العامين الماضيين، حدث انهيار جليدي فانفصل رف جليدي هائل الحجم عمره أكثر من 3 آلاف سنة ويقع في أقصى شمال كندا·
إن خسارة الجليد من شأنها أن تؤدي إلى فتح الطرقات والمسالك البحرية الشمالية بين آسيا وشمال أفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يؤدي إلى إطلاق شرارة حدوث نمو في التجارة ، كما يقول ديفيد ريند الباحث لدى معهد غوددارد لدراسات الفضاء في نيويورك· ومن الممكن أن يؤدي ذلك بالنتيجة إلى فتح باب الجدل والخلاف بين البلدان حول أحقية التحكم في هذه الطرقات الجديدة، وحول ما إذا كان ينبغي إعلانها ممرات بحرية دولية مفتوحة للجميع دون استثناء· وعلى نطاق أوسع، كما يقول الدكتور ريند، من الممكن أن تؤدي أنماط الدوران الكبيرة المتغيرة التي تحكم مسارات العواصف -وذلك لدى تسخن الغلاف الجوي- إلى إحداث هطولات مطرية وثلجية في المناطق الأقرب إلى خط الاستواء·
ومن بين هذه الأنماط هناك نمط الدوامة القطبية، وهو يضم حزمة من الرياح في المناطق الشمالية التي تُطَوِّق الكرة الأرضية وتدور حولها ع