برلمان واحد لشعب مشرذم، برلمان واحد لبلد مقسّم مناطق وطوائف وأعراقاً· لم تكن النتائج (شبه الرسمية) للانتخابات العراقية مفاجئة حقاً، لكن ارتسام المشهد بكل فجاجته لابد أن يصفع كل من داعب أفكاره المسبقة عن ''حقيقة'' الوضع العراقي بعد الحرب والغزو والاحتلال· وأول المذهولين هم الأميركيون الذين تأكدوا الآن إلى أي مدى تشظّى البلد بين أيديهم، بل إلى أي حد هم عاجزون عن إعادة اللحمة بين أجزائه· ها هو النظام العراقي ''الجديد'' يعلن هويته، عبر صناديق الاقتراع، وهي تماماً الهوية التي لم تردها واشنطن ولم تتمنها، لكنها سعت إليها بقوة واندفاع، مدركة أو غير مدركة· والواقع أن أحداً في الإدارة الأميركية لا يستطيع الادعاء بأن ما حصل لم يكن متوقعاً منذ ما قبل الحرب، لكن أحداً لم يكن يرغب في الاستماع إلى أي معطى يمكن أن يضعف التهافت على الاحتلال· وفي النهاية كان على هذا الاحتلال أن يتعاون مع من يرغب ومن يريد أن يلعب اللعبة·
لكن، من لعب بمن في النهاية؟ هذا هو السؤال·
كان أحد أهداف الحرب إحكام الحصار على إيران وسوريا من خلال العراق، فإذا بالحصار يتم على نحو معاكس، حتى كأن الولايات المتحدة خاضت تلك الحرب من أجل إيران تحديداً وبالنيابة عنها· ويصعب التكهن اليوم في ما إذا كانت لدى الأميركيين تقديرات دقيقة لحجم النفوذ الإيراني في العراق، خصوصاً أنه متداخل مع طيات المجتمع ومتغلغل في نسيجه· وهذه ميزة لا يمكن لقوة الاحتلال الأميركية أن تكتسبها، حتى لو استطاعت تجنيد مئات الآلاف للتعامل معها· في أي حال تبدو نتائج الانتخابات كأنها فرضت على الإدارة الأميركية إعادة النظر في ''استراتيجية الخروج'' ووتيرتها· وبعدما كانت الأجواء عشية الاقتراع تشير إلى أن وفاقاً أميركياً داخلياً تم على ''الانسحاب'' وساد انطباع بأن الانتخابات ستكون نهاية للكوابيس وبداية مرحلة الانعتاق من المستنقع العراقي، فإذا بالنتائج تعيد الساعة إلى الوراء·
وفي الوقت الذي كان من الواجب و-المصلحة- التهليل للعملية الانتخابية، وتقديمها على أنها ''انتصار'' أميركي آخر، كانت الأرقام الأولية تبث خيبة الأمل· ضاع حلم ''الدولة العلمانية''، وفشل الرهان على ديمقراطية أقرب إلى النموذج الغربي· والأهم أنه يمكن القول إن الولايات المتحدة خسرت الانتخابات طالما أن مرشحها المفضل كان إياد علاوي·
كانت الانتخابات الأولى أعطت النتائج نفسها لـ''الائتلاف الشيعي''، باعتبار أن السُّنة قاطعوا عموماً والأكراد انتخبوا الأكراد كما في هذه المرة· ومع دخول السُّنة الانتخابات الثانية لم تتأثر شعبية ''الائتلاف'' إلا قليلاً، باعتبار أن السُّنة صوتوا للسنّة· ومع ذلك، ولضمان نتيجة مهيمنة، كان لابد من اللجوء إلى التزوير، ولم يبد ذلك صعباً لأن ماكينة تنظيم الاقتراع والإشراف عليه، فضلاً عن الفرز ''السري'' للأصوات، تعمل تحت سطوة ''الائتلاف''· وقد شاء هذا الأخير الحصول على فوز ساحق وبنسب عالية، حتى في المناطق المختلطة، بل افتعل إعلان النتائج ولو غير رسمية، ليتفادى ما حصل بعد الانتخابات الأولى عندما كتمت النتائج ثم جرت دوزنتها بإشراف الأميركيين للتخفيف من وقعها على الرأي العام الأميركي، الذي وُعد بأن الانتخابات ستبلور حكماً ديمقراطياً ''غير ديني''·
ماذا سيقال الآن وقد فاز التيار الصدري الذي قاتل الأميركيين، ولا يزال معادياً لهم؟ وماذا سيقال مع فوز قائمة السُّنة التي لم يعد خافياً أنها تحظى بقبول من ''المقاومة''؟ لكن الأهم أن الصورة التي أظهرتها صناديق الاقتراع ليست واعدة بديمقراطية، وإنما بانقسام شعبي ومناطقي· لاشك بأن النتائج تحتم المضي في مشروع ''المصالحة الوطنية'' الذي بوشر بإشراف الجامعة العربية، لكنها قد تغري ''الائتلاف'' بالاستغناء عن ''المصالحة'' إذا بدت له دعوة لتقديم تنازلات· فالسلوك الذي اتبعه ''الائتلاف'' منذ انتخابات 30 يناير الماضي مال إلى فرض الإخضاع وتعزيز المكاسب أكثر مما التفت إلى موجبات المصالحة والتعايش· وفي المرحلة المقبلة سنتعرف أكثر إلى اللمسات الإيرانية في وجهات ''الائتلاف''·