تعد التصريحات التي أدلى بها بعض السياسيين الأميركيين الأسبوع الماضي حول مشروع الصفقة التي ستتولى بموجبها إحدى شركات دبي إدارة ستة موانئ أميركية، خطوة كبيرة إلى الوراء بالنسبة للأمن القومي الأميركي، كون هذه التصريحات ردة فعل غلايبة من نوعها لا تخدم مصلحة أميركا، إذ تزعم بأن الصفقة تنطوي على مخاطر كونها من دون تقديم أبسط دليل يدعم مزاعمها.
والحال أن نظرة عقلانية إلى الأحداث تخبرنا بقصة مختلفة، فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عمدت العديد من الدول، ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى إعادة النظر في سياساتها. وتعد دبي نموذجاً فريداً ورائعاً للرأسمالية العالمية، كما أن هناك التزاماً صارماً وواضحاً في هذه الإمارة بمحاربة الإرهاب، وهو ما لا تعلمه أغلبية الأميركيين.
ففي ديسمبر 2004 كانت الإمارات هي أول دولة في الشرق الأوسط تعمل بما يعرف بـ"مبادرة أمن الحاويات الأميركية"، وهي سياسة تقوم على فحص جميع الحاويات تلافياً للأخطار الأمنية قبل أن تقصد الولايات المتحدة. وفي مايو 2005 وقعت دبي اتفاقية مع وزارة الطاقة الأميركية لتلافي عبور المواد النووية عبر موانئها. كما اقتنت معدات وأجهزة لرصد الإشعاعات، ما يعد دليلاً على التزامها بالاستثمار في التكنولوجيا. وفي أكتوبر 2005 وجه المصرف المركزي في دولة الإمارات العربية المتحدة تعليمات إلى البنوك والمؤسسات المالية في البلاد باتخاذ ما يلزم من إجراءات صارمة ومراقبة مشددة في سبيل محاربة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
هذا وتعد بيئة دبي التجارية الوحيدة في الشرق الأوسط التي تقوم على مبدأ الكفاءة أولاً، حيث يتنافس الرجال والنساء بالأفكار والطموحات ليجعلوا من المدينة نموذجاً يحتذى للمجتمعات المسلمة التي تحاصرها البطالة والأمية والسياسات التجارية السيئة والبنيات السياسية البيروقراطية. كما تدير دبي مقاولاتها بطريقة شفافة لا لبس فيها، وبتفان واعتماد متزايد لثقافة تجارية ديمقراطية ومحاسبة.
وبالتالي علينا ألا نناصب دبي المعروفة بالاستثمارات المبتكرة ومشاريعها الضخمة والفريدة العداء، بل يجب أن نشجعها مثلا على تمويل الأجهزة الأمنية الحديثة واستعمالها في الموانئ الأميركية، من قبيل أجهزة المسح المتطورة والبطاقات الذكية لفحص الحاويات، ولاسيما أن التكنولوجيا الأميركية التي تتيح فحص الحاويات بدون فتحها ومن دون التأثير مادياً على ميزانية إدارة الموانئ موجودة، وإن لم يبدأ تسويقها بعد. كما ينبغي على وزارة الأمن الداخلي إيجاد قاعدة مشتركة للاستثمار والتنفيذ مع شركة موانئ دبي العالمية من أجل التطوير العاجل لهذه الأجهزة التكنولوجية.
إنه لمن النفاق أن تدعو الولايات المتحدة إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط، وتنتصر للرأسمالية باعتبارها أفضل إطار اقتصادي، وتدفع في اتجاه اعتماد الإصلاحات والشفافية ومحاربة الفساد في الشركات، في حين تعتمد سياسة حمائية عندما تظهر إحدى شركات دبي على سواحلنا بعد أن أدت لعبة الرأسمالية على نحو مسؤول وشفاف.
الواقع أن الولايات المتحدة تكون متفوقة عندما تجد طرقا خلاقة لفتح أبوابها للعالم، أما نصب الحواجز الاصطناعية فيعكس جنون الارتياب لدى أميركا والخوف من عالم مسلم نحن في أمس الحاجة إليه حتى نفهم على نحو جيد ما إذا كنا سننجح في اجتياز غضب وسخط قلة من المسلمين الخطرين. أما أن ننفر البلدان والأشخاص الذين بإمكانهم مساعدتنا على احتواء اندفاع الراديكالية الإسلامية والتحكم فيها، فذلك ليس من مصلحتنا قطعاً. فلندع دبي تدير موانئنا، ولنظهر للعالم أننا لا نخشى شيئاً.
منصور إعجاز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس شركة "كريسينت إينفيستمانت ماناجمانت" العاملة في مجال تطوير تكنولوجيات الأمن الداخلي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"