تعطيل صحيفتين سودانيتين
نددت حكومة الولايات المتحدة الأميركية ممثلة في سفارتها في الخرطوم، بقرار حكومة السودان بتعطيل صحيفتين عن الصدور لمدة زادت الآن على أسبوعين هما صحيفة (الأيام) العربية اليومية وصحيفة (المونيتر) اليومية الإنجليزية· وقد فعل مندوب الاتحاد الأوروبي في العاصمة السودانية ذات الشيء إضافة إلى عدد من الممثليات الدبلوماسية الغربية الأخرى التي أبلغت حكومة الخرطوم استنكارها لذلك الإجراء في وقت يفترض فيه أن السودان مقبل على نهج إطلاق الحريات والانتقال إلى مرحلة التعددية والديمقراطية واحترام الرأي الآخر· وكان جهاز أمن الدولة قد عطل الصحيفتين المذكورتين في الشهر الماضي ثم سمح لهما بالصدور بعد استئناف للقرار رفع للنيابة العليا· وبعد أن واصلتنا الصدور لبضعة أيام عاد جهاز الأمن إلى تعطيلهما بحجة أنه يرفع دعوة لجهات أعلى وأن على الصحيفتين أن تتوقفا عن الصدور حتى يتم التحقيق فيما ينسبه الأمن ضدهما من ادعاء· ويتضح من هذا الأسلوب الملتوي أن الهدف هو حرمان الصحيفتين من مواصلة النشر أطول فترة لا سيما في هذه الفترة البالغة الدقة من تاريخ تطور الوضع السياسي في السودان· إن حجة (مواصلة التحقيق) يمكن أن تمد فترة التعطيل إلى حدود لا ينهيها إلا جهاز أمن الدولة وفق رغبته ومخططات من يشرفون على أمره في قيادة الحكم القائم· ولهذا فإن المراقبين يتفقون على أن السلطة لا تملك من الأدلة ما يكفي لإدانة أي من الصحيفتين ويبرر حرمانهما من النشر ولهذا فإنها تتفادى وتتحاشى اللجوء إلى القضاء·
لقد قوبل هذا الإجراء التعسفي والبعيد عن العدالة بموجة من الاستنكار ليس في المجال الإعلامي وحده بل على نطاق واسع فأعلنت أكثر من فعاليات سياسية ونقابية ومنظمات مجتمع أخرى رفضها للإجراء ولجأ عشرات من الصحفيين إلى الاعتصام في دور الصحيفتين المذكورتين لعدة أيام متواصلة تعبيراً عن التضامن ورفض القرار·
إن للصحيفتين المعطلتين وزنهما في الرأي العام السوداني، فـ(الأيام) هي أعرق الصحف السودانية اليومية وعرفت بموضوعيتها واتزانها ورصانتها التي أكسبتها تقدير قرائها خصوصاً في أوساط الفئات المستنيرة والمتقدمة نسبياً· أما الصحيفة الأخرى التي تصدر باللغة الانجليزية فهي الصحيفة الوحيدة التي تنطق بلسان قطاع كبير من المواطنين الجنوبيين مما يجعل لها وزناً خاصاً في هذه المرحلة من السعي نحو وضع أسس سليمة لتحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب وليس وضع العراقيل في سبيل تحقيق ذلك الهدف· إن إسكات هذا الصوت الجنوبي الوحيد بهذه الصورة المتعسفة من شأنه أن يكون رصيداً آخر في يد دعاة انفصال الجنوب عن الشمال وتدعيم حججهم·
لقد اتضح لكل من يتابع الوضع الإعلامي في السودان عن كثب أن نظام (الإنقاذ) قد لجأ في الشهور الأخيرة إلى تنفيذ خطة واضحة المعالم هدفها السيطرة على كل أو أكبر عدد من الصحف التي تصدر في الخرطوم عن طريق الترغيب أو الترهيب وذلك لكي يكون له الصوت الأعلى والأقوى إعلامياً خلال المرحلة المقبلة التي سيحتدم فيها الصراع السياسي على السلطة· وقد تحقق للنظام قدر لا بأس به نحو تحقيق ذلك الهدف ولكن الواضح أن الصحيفتين اللتين تواجهان الآن هذه المعاملة لم تنصاعا لذلك الضغط وواصلتا العمل بصورة مستقلة وطرح وجهات النظر المختلفة في حرية تستهدف المصلحة الوطنية العليا ولا شيء سواها·