شافيز وسياسة "السخاء الثوري"!
لا يتردد الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز في إنفاق مليارات الدولارات من المداخيل النفطية لبلاده على مشروعات يرعاها بنفسه في مناطق عديدة من العالم. ويبقى الهدف من وراء ذلك إبراز حكومته اليسارية كقوة سياسية قادرة على مواجهة نفوذ إدارة بوش المحافظة في منطقة أميركا الجنوبية. فبفضل عائدات فنزويلا المتنامية من النفط التي ارتفعت خلال السنة الأخيرة بمعدل 32% استطاع شافيز أن يدعم العديد من النشاطات في الخارج بدءاً من استعراضات رقصة "السامبا" في الشوارع البرازيلية، مرورا بتنظيم حملات جراحة العيون لصالح الفقراء في المكسيك، وانتهاء بدعم حصول العائلات المعوزة في بعض المدن الأميركية مثل مين وبرونكس وفيلاديلفيا على وقود التدفئة. وحسب بعض التقديرات تجاوز إنفاق شافيز على مشروعاته الأثيرة معونات الملياري دولار التي تخصصها واشنطن كل سنة للإنفاق على برامج التنمية ومحاربة المخدرات في منطقة جنوب غرب أميركا. ولاشك أن سخاء شافيز ساعده كثيرا على حشد الدعم الشعبي لسياساته ضد ما يسميه بأهداف واشنطن الإمبريالية في أميركا اللاتينية. وهي السياسيات التي كثيرا ما دفعت شافيز إلى شتم بوش وأعوانه، حيث نعته في شهر مارس المنصرم بـ"الجبان" متحديا إدارته أن تقترب من فنزويلا.
لكن شافيز الذي تتوفر بلاده على أكبر الاحتياطيات النفطية خارج الشرق الأوسط لم يقتصر دوره على الشغب السياسي، بل تحول إلى فيديل كاسترو جديد في المنطقة، وإلى بطل يحظى بالكثير من الإعجاب في أعين الجماهير، حيث لا يتوانى عن معارضة أية خطوة تقدم عليها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. بيد أن وضع شافيز يختلف عن وضع فيديل كاسترو في نقطة مهمة عبر عنها ستيفن جونسون، الأكاديمي في مؤسسة "هيريتيج" المحافظة بقوله: "استطاع شافيز أن يحقق ما لم يستطع كاسترو تحقيقه وهو الحصول على مورد دخل مستقل ما جعله يستغل الفراغ الذي خلفه كاسترو ليقود دول عدم الانحياز". وليس معروفا بالتحديد حجم الأموال الطائلة التي أنفقتها الحكومة الفنزويلية على مثل تلك المشروعات بسبب عدم الإفصاح عن تفاصيل السجلات المالية لشركة النفط الفنزويلية التابعة للدولة "بتروليوس دي فنزويلا"، فضلا عن حجب معاملاتها عن مدققين مستقلين. وبالرغم من الطموحات العريضة التي راودت شافيز بشأن تنفيذ مشروعات اقتصادية عملاقة، فإنه من غير المرجح أن ينجح في تنفيذ مشروع مد أنبوب نفط ضخم يمر عبر الأمازون ويربط فنزويلا بالأرجنتين.
ووفقا لتقديرات "ستيفن جونسون" نفسه فقد أنفقت فنزويلا ما يقارب ثلاثة مليارات دولار في شكل مساعدات وجهت إلى دول الجوار، فضلا عن القروض العديدة التي توفرها لدول أميركا اللاتينية، ما حول كاركاس إلى أحد أهم مصادر القروض التي يلجأ إليها كحل أخير. وبينما كشفت دراسة أجراها مؤخرا مركز التحقيقات الاقتصادية في العاصمة كراكاس بأن إجمالي ما أنفقه شافيز منذ اعتلائه السلطة سنة 1999 فاق 25 مليار دولار بمعدل 3.6 مليار سنويا، أكد حزب "العدالة أولا" المعارض بأن الرقم السنوي يتجاوز 16 مليار دولار، وهو ما يتطابق مع تصريحات شافيز نفسه. ورغم تضارب الأرقام إلا أن عددا كبيرا من الدول استفاد من المعونات الفنزويلية التي شملت ثلاثين دولة من بينها إندونيسيا. وفي السياق نفسه قامت الحكومة الفنزويلية بتغطية 2.5 مليار دولار من الديون المستحقة على الأرجنتين حسب ما صرح به وزير المالية الفنزويلي "نيلسون ميرنتيز"، كما أنها باعت النفط بأسعار مخفضة إلى 13 دولة في بحر الكاريبي، فضلا عن شرائها لأسهم كبيرة في محطات التزويد بالوقود بالأوروجواي. وبينما تتوجه فنزويلا إلى الاستثمار في مشاريع ضخمة مثل التخطيط لشراء 36 ناقلة نفط من البرازيل، نجدها تكتفي في أحيان أخرى بمشاريع متواضعة مثل منحها مبلغ 3.8 مليار دولار لأربع دول إفريقية.
وينظر المنتقدون إلى الإنفاق المبالغ فيه للحكومة الفنزويلية على أنه ممارسة نزقة تندرج ضمن سياسة شافيز الشعبوية التي تسعى إلى تلميع صورته في المنطقة وتقديمه على أنه سياسي محنك يعرف كيف يحرج الإدارة الأميركية. وهو هدف مازال يسعى شافيز إلى تحقيقه منذ أن منح المسؤولون الأميركيون تأييدهم الضمني للمحاولة الانقلابية الفاشلة ضده سنة 2002. لكن رغم مداخيل النفط المتراكمة بسبب ارتفاع الأسعار مازالت فنزويلا تعاني من الفقر وسوء الإدارة. وفي هذا الصدد قال جون نيجربونتي، مدير أجهزة الاستخبارات الأميركية، في جلسة استماع أمام الكونجرس خلال شهر فبراير الماضي: "في الوقت الذي يقحم فيه شافيز نفسه لإنفاق أموال طائلة على مشاريع سياسية واقتصادية في بلدان أجنبية يحتاج بلده إلى تنمية اقتصادية واجتماعية ملحة". إلى ذلك يعتبر "أنطونيو ليديزما"، أحد الخصوم السياسيين لشافيز، أن هذا الأخير: "يطمح إلى تسطير برنامج سياسي يمتد إلى الخارج". أما الرئيس الفنزويلي من جانبه فينظر إلى إنفاقه المالي على أنه سخاء ثوري يرمي إلى تحقيق الحلم القديم الذي راود "سيمون بوليفار" بتوحيد أميركا اللاتين