صورة السيد الرئيس وهو خارج من حفرة العنكبوت وعلامات الخوف بادية على محيّاه وصورته وهو بهيئته الرثة ولحيته الكثيفة مستسلماً لفحص طبي مُذل أثارت ردود فعل متباينة في عالمنا العربي· ومثل هذا التباين كان متوقعاً كما كان فرح العراقيين العارم متوقعاً· وشارك معظم العرب إخوانهم العراقيين الفرحة وهم يرون عالم صدام حسين يتقلص من القصور والسجون وغرف التعذيب إلى كوخ حقير وحفرة يائسة· والواضح أن مثل صدام حسين لم يقاوم، فهو لم يقاوم حين ملك الجيش والرجال والعتاد، وعلى ما يبدو مقاومته الوحيدة والتي عرفها في مسيرة الدم والشوك عبارة عن خطب النشامى والماجدات وتصريحات عنترية كاذبة تتوعد العدو بالويل والثبور، أما قوته وجبروته فلم تبرز إلا من خلال ظلم وقساوة أجهزته الأمنية والتي حكمت المواطن العراقي بسادية تعود للقرون الوسطى، فللباحث عن شجاعة ومواقف من صدام وبعثه نقول له لا شجاعة هنا ولا مواقف هنا، ومنظر الاستسلام من الحفرة سيبقى شاهداً محفوراً في الذاكرة على هذه الحقيقة·
والعديد من المتابعين في عالمنا العربي رأوا في هذه التطورات المثيرة للدهشة حكماً صريحاً قاسياً يتجاوز شخص صدام ويتجاوز العراق إلى العالم العربي الأوسع، ولابد لنا أن نشاطر هؤلاء الرأي، فدرس التجربة العراقية يجب تعميمه للاستفادة منه في التعامل مع عالم حولنا تغيّر جذرياً، ونضيف أن عقوداً من ديكتاتورية الفرد وديماغوجية الحزب الواحد ومصانع الشعارات الكاذبة أوصلت العراق والعديد من الدول العربية إلى الاحتلال وغياب التنمية وانتهاك الكرامة والحرية· والرجل القابع في الجحر يمثل صورة حقيقية لإفلاس هذه الأنظمة ورداءتها ولعل تعريته بهذه الصورة المهينة تكشف أنه، وحين تزيل عنه بريق السلطة وعنفوانها، لا يملك شيئاً ليعطيه، وحين تحرمه من أجهزته القمعية لا تحتاج حتى إلى مجهر لتكتشف إفلاسه الأخلاقي وضحالته الفكرية، نراه متردداً خائفاً ويائساً وندرك أن مشكلتنا الأولى وعقدتنا الرئيسية هي حكم الفرد وسيطرة الحزب الواحد·
ومن جهة أخرى برزت العديد من الأصوات تدافع عن الماضي، أقلها يتناول صدام بصورة مباشرة، فلا أحد يقف مع المهزوم، ولكن زاوية تناول الحدث تنوعت بين موضوع كرامة واستمرار مقاومة وعداء للغرب ولواشنطن بالتحديد، ومن الصعب أن أستوعب العلاقة بين الحفاظ على الكرامة من خلال السجّان ومن خلال نظامه وحزبه الشمولي، ومن الصعب أن أتقبل أن هؤلاء صدقوا أبواق الإعلام الموجه لهذه النظم المفلسة وصدقوا أن صدام وأمثاله، وبرغم أخطائهم إن لم نقل خطاياهم، لا يزالون يمثلون هذه الأمة ويمثلون تطلعاتها· ولكن هذه الظاهرة، على ما يبدو، خليط بين حالة يأس سائدة وتعصب أعمى ضد كل ما هو غربي ولا ننسى أن نضيف مصالح البعض التي تضرّرت من سقوط نظام أبدع في شراء الأقلام والذمم·
وبرغم هذه الاستنتاجات المتناقضة لسقوط صدام المهين وانغماس شرائح مهمة من المجتمعات العربية في تبرير عاطفي ولا عقلاني لطريقة أسر الطاغية تبقى هناك أمور التفكير فيها وتشخصيها أكبر أهمية من فشل هذا الستاليني المزيف من المقاومة حتى الموت، ولعل أحد هذه الجوانب المهمة هي تلك التي تتعلق بمحاكمته والعبر التي يرجى استخلاصها من هذه المحاكمة شكلاً وموضوعاً· ولا شك أن الأسابيع والشهور القادمة ستشهد انقساماً عربياً شعبياً حاداً حول ما يسميه البعض محاكمة العصر، ولا شك أن العشرات من المحامين (الثورجيين) سيتبرعون بخدماتهم للدفاع عن الطاغية وعهده ولا خلاف على قرار هؤلاء، فليتمتع صدام بالاستشارة والتمثيل القانوني برغم أنه حرم مثل هذه الأساسيات للآلاف من ضحاياه حين حوّل العراق إلى سجن كبير· فالمهم إرساء قواعد والتأسيس لشفافية ضرورية في عالمنا العربي من خلال المحاكمة، ومن المهم أن نميز ونفرق بين الواقع والأسطورة في السجل الدموي لصدام حسين وحزب البعث·
وبطبيعة الحال ستبرز أمور تقنية أخرى لابد من التعامل معها وتشمل فيما تشمل حقيقة أن العراق بلد محتل ولابد من ترتيب أموره الداخلية، كما أن قانون البلاد البعثي وتراثه البعثي، على الأقل على المستوى القانوني، يمثل عقبة أساسية أمام الطموح بأن تكون هذه المحاكمة التاريخية توطئة مهمة لانتقال ديمقراطي مؤسسي نتمناه للعراق وللأقطار العربية·
شغل صدام حسين عالمنا العربي وهو في قمة جبروته كما يشغله اليوم بعد التقاطه كالفأر من جحر، وإن كان عالمنا قد فشل في استنتاج الدروس بفعل الضجة الإعلامية وضباب الشعارات فلا عذر أمامنا هذه المرة، والدرس بسيط وخلاصته أن تسلط الفرد وتحكم الحزب وقمع الرأي يوصل إلى النقطة التي وصلنا إليها·