ربما يبدو أي حديث يقفز على "مصالح" شركات القطاع الخاص، ويطالبها في الوقت ذاته بعلاقات عمالية لا تشوبها شائبة، نوعاً من المثالية في عالم الاقتصاد و"البزنس" الذي تتحكم فيه لغة المصالح والأرقام. وهنا يمكن القول بأن تركيز الحديث أو حصر الإغراءات المقدمة إلى شركات القطاع الخاص في حزمة من المناشدات والدعوات للتخلي عن ممارسات سلبية مثل تشغيل العمالة المخالفة والهاربة من الكفلاء، يبدو هذا الحديث غير ذي جدوى أو غير فاعل في الوصول إلى حلول وبدائل فاعلة مطلوبة بإلحاح للحد من هذه الممارسات السلبية بعد أن وصلت بلاغات هروب العمال إلى نحو 150 ألفا خلال السنوات الست الأخيرة، منها نحو 46 ألف بلاغ العام الماضي فقط! والواقع يؤكد أن الإجراءات العقابية التي تفرضها وزارة العمل على الشركات المخالفة لم تفلح في الحد من الظاهرة أو تحقيق حد أدنى من الردع، حتى بعد أن تخلت الوزارة عن الغرامات التي كانت توقع على المنشأة التي تقوم بتشغيل عمالة مخالفة، والتي لم تكن تتجاوز 10 آلاف درهم، في حين أن الحديث يدور عن شركات كبرى تشغل عمالة مخالفة بالآلاف، أي أنه بافتراض توقيع مخالفة رسمية ضد أي من هذه الشركات فسينتهي الأمر إلى دفع درهم أو درهمين عن كل عامل مخالف تقوم بتشغيله! ورغم أن الوزارة تخلت عن الغرامة ولجأت إلى عقوبة يفترض أنها أشد تتمثل في وقف التعامل مع المنشأة أو تنزليها من الفئة التي تنتمي إليها إلى فئة أدنى، وهذا الإجراء ينطوي على خسائر مادية وإدارية كبيرة للشركات المخالفة في حال تطبيقه، ولكنه لم يحقق أيضا ماهو منشود من أهداف تتعلق بالحد من تشغيل العمالة المخالفة أو الهاربة، ما يعني بالضرورة أن حسابات الربح والخسارة لم تزل تصب في النهاية في خانة المجازفة بتشغيل هذه النوعية من العمالة، ربما لثقة من الشركات في إمكانية التصالح مع الوزارة لاحقاً بما يفتح الباب أمام التجاوز عن الإجراءات العقابية أو ربما لأن هذه الشركات لا تكترث- لسبب أو لآخر- بما تسنه الوزارة من قوانين وتشريعات عمالية لضبط سوق العمل والسيطرة على الاختلال، أو لأن هذه الشركات تمتلك من الأسباب ما يدفعها إلى تجاوز الوزارة وتجاهل تعليماتها، وأيا كانت الأسباب فالنتيجة واحدة والخاسر الأكبر هو المجتمع والدولة التي تفقد سيطرتها تدريجيا على سوق العمل. البديل المتاح الآن لسد الذرائع وإبطال حجج الشركات التي تتذرع بصعوبات الاستقدام من الخارج أو ارتفاع رسومه، يتمثل في إيجاد البدائل ومنها إحياء فكرة تدوير العمالة التي تبنتها الوزارة منذ فترة وجيزة ثم تراجعت عنها أو أن الفكرة ضلت طريقها في التنفيذ، ولكن هذا البديل ربما يوفر- في الوقت الراهن على الأقل- حلولا عملية للسيطرة على تزايد بلاغات الهروب وسطو الشركات على عمالة شركات أخرى وإغرائها بدراهم معدودات مقابل ترك العمل والهروب من كفلائهم، ولكن تنفيذ ذلك بصورة صحيحة ربما يتطلب إدارة مهنية احترافية تطبق معايير وشروط واضحة ودقيقة للتدوير، سواء ما يتعلق منه بخروج العمال من عباءة شركاتهم الحالية أو التحاقهم بشركات جديدة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية