كشف تقرير "البنتاغون" السنوي عن القدرات العسكرية الصينية الصادر خلال هذا الأسبوع, عن أن بكين قد تجاوزت بمراحل عديدة, ما رجح المحللون بلوغها إياه خلال مدة لا تزيد على عشر سنوات فحسب. وعلى سبيل المثال, تتضمن ترسانة الأسلحة الجديدة لـ"جيش التحرير الشعبي" ما يزيد على 700 صاروخ تم نشرها قبالة تايوان, إلى جانب أسطول متطور من غواصات الديزل والكهرباء, وقدرات متنامية من الغواصات النووية, ومجموعة متقدمة من المدمرات المزودة بصواريخ "كروز" المضادة للسفن الحربية. وبذلك تكون الصين قد جعلت من أي تدخل أميركي محتمل لصالح استقلال تايوان, خطوة باهظة التكلفة والخسارة, الأمر الذي يعين بكين على تحقيق هدفين استراتيجيين رئيسيين: أولهما تشكيل خطر عسكري حقيقي على تايوان, ثم بناء رادع عسكري قوي ضد الولايات المتحدة الأميركية. وماذا بعد؟ هنا يقدم التقرير بعض الإجابات. فبسبب تنامي اعتماد الصين على واردات النفط الشرق أوسطية, يفكر مخططوها الاستراتيجيون في إنشاء وحدة بحرية عسكرية, توكل إليها مهمة تأمين خطوطها الناقلة لواردات النفط تلك. وليس ذلك فحسب, بل ربما يعيد الجيش الصيني النظر في سياسة عدم اتخاذ الخطوة الأولى في استخدام السلاح النووي, إلى جانب اختبار الوسائل الكفيلة بتأمين مطالبها الحدودية في الأراضي الواقعة في بحار جنوبي وشرقي الصين. وكما جاء في التقرير, فمع تنامي القدرة العسكرية الصينية, كان طبيعياً أن تختلف الواجبات والمهام الاستراتيجية الموكلة لهذه القدرة. وليس ثمة ما يثير العجب في هذا, طالما أن تاريخنا العسكري نفسه, يعلمنا أنه وما أن تزداد القدرات العسكرية لدولة ما, حتى تزداد طموحاتها وأطماعها بالضرورة. وكما لو كان تأكيداً لهذه الحقيقة, نشرت "المجلة العسكرية الصينية" في أحد أعدادها الصادرة مؤخراً, مقالاً جاء فيه أن على الصين بناء جيش يتناسب ووزنها الدولي الراهن. وطالما أن المصالح الاقتصادية والدبلوماسية بدأت تشمل بقاعاً شاسعة من العالم اليوم, فربما يدفع ذلك "جيش التحرير الشعبي" إلى اتجاهات ومياه مضطربة. وقد يشمل ذلك توصل الصين إلى قرار يقضي بخطر الاعتماد على القوات البحرية الأميركية في تأمين وارداتها النفطية, ومن ثم تقرر زيادة وجودها العسكري البحري على امتداد المنطقة الواقعة بين الخليج العربي وشرق آسيا. وبذلك تكون القوة البحرية الصينية, الأولى من نوعها منذ حقبة الحرب الباردة, التي تنافس الولايات المتحدة في سيطرتها على البحار. بل إن هناك الكثير من النزاعات في بحار جنوبي وشرقي الصين, مما سيغدو ممكناً للصين حسمه عسكرياً. والملاحظ هنا أن مناوشات عسكرية بدأت بالفعل, بين كل من طوكيو وبكين حول موارد الطاقة الواقعة قرب سواحل البحار المتنازع عليها. وبسبب الغموض والسرية المحيطين بالتخطيط العسكري الصيني وعملية اتخاذ القرار, فإن كل ما بوسع محللينا فعله, هو مجرد التكهن بالمدى الذي يمكن أن تبلغه القوة العسكرية لتلك الدولة السرية. ولذلك فربما كان مساعداً ومفيداً لو أن الصين فتحت نظامها العسكري, حتى نستطيع نحن وغيرنا من القوى الدولية والإقليمية المجاورة, معرفة طموحاتها العسكرية بعيدة المدى. ولكن يبدو تصوراً كهذا غير مرجح تحققه في أي وقت في المستقبل القريب المنظور على الأقل. ذلك هو ما أكده تقرير البنتاغون المشار إليه بقوله إن السرية والمباغتة والخداع, تعد مكونات أساسية لازمة للممارسة الاستراتيجية الصينية. غير أن المعلوم حتى الآن, أن الصين قد نجحت سلفاً في تغيير موازين القوى في القارة الآسيوية. وقد بلغ هذا التغيير عمقاً وحداً, بات من الصعب فيهما الآن على الولايات المتحدة بناء أي رادع لأسوأ ما في سلوكيات الصين. بل فاتت واشنطن فرصة تقديم أية أسباب لحلفائها الإقليميين في المنطقة الآسيوية, لاستعادة ثقتهم واطمئنانهم القديم لكونهم تحت ما كان يعرف سابقاً بـ"مظلة الأمن الأميركي". ومن أسف أننا صحونا للتو, كي نكابد من أجل ما كان مفترضاً فيه أنه هدف استراتيجي لبلادنا! وكان آخر تقرير ربع سنوي بهذا الخصوص, قد نص على أن للصين قدرات عسكرية هائلة تمكنها من منافسة الولايات المتحدة الأميركية. ومضى التقرير ذاته إلى القول إن البنتاغون تسعى إلى تشكيل الخيارات الصينية, وصرف اهتمام أي منافس عسكري آخر عن تطوير أي من القدرات التي تمكنه من فرض هيمنته العسكرية الإقليمية. ومن الجيد أن خطت إدارة بوش خطوات عملية واثقة إزاء تحقيق هذا الهدف. ولاشك أن في تعزيز تحالفها مع اليابان ما يساعد على تقوية وجودها العسكري الرادع. وفي الاتجاه ذاته يشير توطيد العلاقة بين واشنطن ونيودلهي في جانب من جوانبه, إلى أنه ليست للصين أدنى هيمنة على جنوب أو وسط القارة الآسيوية. إلى ذلك فإن في زيادة حجم أسطول الغواصات المقاتلة في "غوام" الواقعة في شمالي المحيط الهادئ, ما يضفي على الوجود العسكري الأميركي هيبة ورهبة هناك. وفيما لو تمكنت واشنطن من توطيد علاقات تعاونها العسكري الناشئة مع فيتنام, فربما تكسبها تلك العلاقة أكثر ما تحتاجه في القارة الآسيوية على الإطلاق: المزيد من القواعد العسكرية. فهل تضع البنتاغون وصناع السياسات الأميركية من الترتيبات, ما يؤكد عدم فوات الأوان على ردع الخطر الصيني؟ دان بلومنثال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زميل وباحث مقيم في قسم الدراسات الآسيوية بمعهد "أميركان أنتربرايز" ومدير سابق لمكتب الصين وتايوان بوزارة الدفاع الأميركية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"