ليست ثمة مبالغة في القول إن هذا الكتاب يمثل عصارة الخبرة الصحفية السياسية لمؤلفه "جو كلاين", أحد أبرز كتاب الأعمدة السياسية بمجلة "تايم" ومؤلف كتاب "الألوان الأساسية". وفيه يتناول الكاتب دور وتأثير ما يسمى بالمستشارين السياسيين على السياسة الأميركية, وذلك من خلال تتبع واستقصاء دورهم في الحملات الانتخابية الرئاسية التي شهدتها أميركا منذ عام 1968 وحتى عصرنا الراهن. وبحكم تغطيته التحليلية السياسية لتلك الحملات, فهو لاشك عالم بخفاياها وأسرارها وتفاصيلها الداخلية. فكيف حدث ما حدث, وكيف استحال هذا العملاق الديمقراطي إلى قزم؟! هذا نموذج من الأسئلة الجريئة الكبيرة, التي يريد المؤلف للديمقراطية الأميركية أن تطرحها وتقدم لها الإجابات الشافية الصريحة, من خلال تقييم الأداء السياسي للمرشحين الرئاسيين ومستشاريهم السياسيين. ومن بين الأسئلة التي تؤرق الكاتب وتشغل باله: كيف يمكن للسياسة الأميركية أن تغدو أكثر تلقائية ومصداقية, وكيف يعود لها وجهها الإنساني الذي كانت تكتسيه يوماً ما؟ وفي محاولة الإجابة على هذه الأسئلة جميعاً, يقرر الكاتب أولاً أن المستشارين السياسيين, قد اختطفوا الحملات الانتخابية الرئاسية طوال الأربعة عقود الماضية, وأنهم تمكنوا من فرض أجندتهم ورؤاهم الخاصة على تلك الحملات. وفي ظل سيادة ثقافة "الخبراء والمحللين السياسيين", وهي ثقافة عاطلة عن الذاكرة السياسية التاريخية في غالبها الأعم, ويجهل فيها الكثير من المحللين والمعلقين أموراً في غاية البداهة والوضوح, مثل: لماذا أخفق مايكل دوكاكس في مسعاه الانتخابي, في حين فاز هوبرت همفري؟ يبدو فهم المؤلف لتلك الثقافة السياسية الانتخابية التي سادت عقدي السبعينيات والثمانينيات مذهلاً وفي غاية العمق والتجاوز. ومن زاوية التناول التاريخي, يقارن المؤلف بين عبقرية باتريك إتش. كاديل التي دفعته إلى قيادة الحملة الانتخابية الرئاسية للمرشح جورج ماكجوفيرن وهو لم يزل طالباً بالجامعة بعد في انتخابات 1972, وكيف سادت تلك الروح الوثابة السياسات الديمقراطية طوال مدة رئاسة جيمي كارتر, وتلك الممارسات والسياسات التي بعثت فيه حداً من الاستياء في عام 1980. ليس الاستغراق في التفاصيل هو ما يرمي إليه الكاتب, وإنما القصد من السرد والتفصيل التاريخيين, استنباط النموذج التاريخي الذي يمكِّن المحللين المعاصرين من فهم سلوك وطريقة عمل الجيل الحالي من ناشطي ومنظمي الحملات الانتخابية الحديثة, من أمثال بوب شرم وكارل روف وغيرهما. وعلى ناشطي هذا الجيل, يعلق الكاتب واصفاً إياهم بأنهم قادة الموت السياسي الأميركي. ولعل من أهم ما في الكتاب, تقديمه لنموذج الخطاب السياسي الذي يطمح المؤلف لرؤيته وهو يعود مجدداً إلى ساحة التنافس الانتخابي السياسي في أميركا. وأهم ما في هذا الخطاب, صدقه وتصالحه مع الذات قبل عامة الجمهور والناخبين. وربما يحمل المؤلف على الديمقراطيين من هذه الناحية, أكثر مما يفعل إزاء الجمهوريين. ذلك أن أكثر الظروف مواتاة لاستئساد ما يسمى بالخبراء والمحللين السياسيين, هي عند تعاملهم مع مرشحين لا يملكون من الجرأة والصلابة ما يكفي لثباتهم عند مبادئهم وأفكارهم التي يؤمنون بها. ولهذا السبب فالديمقراطيون هم الأكثر عرضة لمؤثرات الضغط الآيديولوجي عليهم, من وجهة نظر الكاتب. وهنا بالذات يستشهد "جو كلاين" بأمثلة محددة عبر انتقاداته اللاذعة لكل من المرشحين الديمقراطيين آل جور في انتخابات عام 2000 وجون كيري في حملة عام 2004, بسبب ما نعتهما به من عدم مصداقية مع ذاتهما. فقد عجز كلاهما عن طرد المستشارين والخبراء الذين نجحوا في إسكاتهما عن قول ما يؤمنان به حقاً. وبحكم حماسه ونشاطه في حماية البيئة والدفاع عنها, كان آل جور يود لو يضمّن حملته آراءه ومقترحاته فيما يتعلق بمشكلة الإحماء الشامل والتغير المناخي. وكان قد فعل ذلك لولا نجاح مستشاريه في صب ماء بارد على جذوة الحماس تلك, وإثنائه عن كل ما عزم اقتراحه وتبنيه بذلك الخصوص, وبالنتيجة فقد حولوه إلى مجرد "روبوت" في أيديهم هم يضغطون عليه ويشغلونه بالأزرار كما يشاءون! وبدلاً من حماية البيئة ودرء خطر التغير المناخي, وجد آل جور خطابه الانتخابي غارقاً في لجة هموم الضمان الاجتماعي والعقاقير الطبية الموصى بها من قبل الطبيب وغيرها هي أدنى من ذلك الهم الشخصي بكثير. أما في حالة جون كيري, فقد حدث شيء شبيه بهذا, لحظة إسكات الرجل عن كل ما أراد قوله عن الحرب على العراق, مدفوعاً بحمى وروح ذلك الجنرال العتيق المعارض لحرب فيتنام. وإذا كان كلاين قد نعى على هذين الناخبين الديمقراطيين صمتهما وتخاذلهما عما أرادا قوله, فهو يلقي بثقل نقده في المقام الأول, على مؤسسة الخبراء والاستشاريين الديمقراطيين, التي تتقاضى أموالاً طائلة وتهدر كثيراً من الوقت في التزييف الآيديولوجي وإضفاء سطح لامع خادع على الحقيقة الملموسة المجردة على حد قوله. وكان طبيعياً أن يثير الكاتب هذا السؤال القلق الذي يعجز هو نفسه عن إيجاد جواب له: كيف للمرشحين الديمقراطيين أن يستشعروا نوعاً من الأمان الشخصي حيال تمسكهم بآرائهم ومعتقداتهم, في الوقت الذي يفتقر فيه الحزب كله للأمان؟ وحتى في حال تخلص المرشحين الديمقراطيين من القبضة الخانقة لمستشارين سياسيين من أمثال شرم وغيره, فما هي أركان الآيديولوجيا الديمقراطية التي يمكنهم الاستناد عليها؟ وعلى أية حال, فإن انتخابات عام 2008 بدأت تطرق الأبواب, وربما تعلم فيها المرشحون الديمقراطيون الدروس والعبر, واستطاعوا أن يقولوا لناخبيهم ما تمليه عليهم ضمائرهم, بعيداً عن الروبوتات وأزرار المستشارين السياسيين. عبد الجبار عبد الله الكتاب: السياسة الضائعة: فرضية غباء الناخبين تحول الديمقراطية الأميركية إلى قزم المؤلف: جو كلاين الناشر: دار "دبل داي" للطباعة والنشر تاريخ النشر: أبريل 2006