"البيانات"... أنياب الإسلام السياسي
(نحذر الأمة من عصابة معروفة بالتوجه التغريبي المنحرف قد تمكنت من التأثير على القرار، والتولي على بعض المؤسسات ذات الأثر الكبير في هوية المجتمع ومستقبله.. صارت هذه العصابة عيناً وأذناً وأداةً لذلك العدو الخارجي مستندة إلى تأييده ومنفذة لأهدافه.. ليعلم هؤلاء المنافقون أن أهدافهم مكشوفة وأجندتهم مرصودة.. إعلامنا في هذه المرحلة أصبح بيد هؤلاء لا يعبِّر عن رأي المجتمع ولا يمثل هويته.. هؤلاء هم عصابة النفاق في مجتمعنا.. لقد حذرنا الله من أمثالهم فقال: "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ".. وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم -وهو أمر لكل ولي أمر للمسلمين– بقوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ".. فهم رسل الكفار الموطئون لهم).
بمثل هذا الكلام الناري كشرت بعض قيادات الإسلام السياسي في السعودية عن أنيابها وشنت هجوماً كاسحاً على مخالفيها من المثقفين السعوديين المسلمين، بلغة تحريضية صريحة ومباشرة، وقدموا من خلال هذا البيان الجديد فتوى جماعية بالتكفير والقتل لمتحمسي أتباعهم ليقوموا بتنفيذها ضد شخصيات ثقافية ومسؤولين سعوديين، وهم بذلك يخرجون طرف السكين لكل من تسوّل له نفسه التقليل من قوتهم العسكرية والسياسية وحقوقهم في إدارة الوطن وقيادته!.
إن أيديولوجيا الإسلام السياسي المعاصرة هي في بنائها الأساس إيديولوجيا معارضة وليست أيديولوجيا سلطة، وبمعنى آخر هي أيديولوجيا تبني "فعلها" بناء على "فعل" غيرها، فهي تنطلق من "ردة الفعل" لا من "الفعل" نفسه، والشاهد الأكثر وضوحاً على هذا –في هذه الفترة- هو جماعة "الإخوان المسلمين" في فلسطين التي تمثلها "حماس" وكيف أنها قد أتقنت معارضة السلطة وطوّرت آلياتها في هذا المجال ولكنها حين تولّت السلطة كانت وبالاً على الشعب الفلسطيني بسبب حماقات قياداتها المتوالية وبسبب عدم اهتمامها ببناء مشروع سياسي حضاري متكامل فقد أشغلها شتم السلطة سابقاً عن بناء مثل هذا المشروع.
تعتمد هذه التنظيمات في بنائها على صرامة تشبه الصرامة العسكرية في الجيوش، لأنها لا تبني تنظيماً سلمياً لكنها تعدّ نفسها لمعارك عسكرية فتحتاج لانضباط الجندي الخاضع المطيع لقائده، فهي لا تسعى لرعاية أيتام أو تعليم أو تربية فحسب –كما هي شعاراتها- لكنها تطمح لـ"الهيمنة والسيادة على الدنيا" كما يقول كبيرهم الذي علّمهم السحر حسن البنا في مجموعة الرسائل ص 39، ولا يرى طريقاً لذلك سوى بالتربية العسكرية للأتباع، فها هو في نفس المصدر السابق ص 72 يسمي آيات القرآن "منشوراً عسكرياً" ثم يعلّق على الآيات بقوله: "بربك أي منشور عسكري في هذه القوة وفي هذا الوضوح يبعث في نفس الجندي كل ما يريد القائد"، ويمتدح فاشستية موسوليني ونازية هتلر وشيوعية ستالين لأن أساسها كان أساساً عسكرياً بحتاً!.
ليس البنّا وحده من يمنح التركيز على بناء التنظيمات العسكرية السريّة بل إن رمزاً آخر لا يقل تأثيراً عن البنّا هو محمد أحمد الراشد يؤيد هذه الفكرة ويدفع باتجاهها فيقول في كتابه "المسار" ص 264 (من البداهة أن نحرص على احتلال المراكز التي تتيح لنا تربية غيرنا وإسماع أصواتنا أو تجعل لنا هيبة أكبر)، وموقعو هذا البيان يسعون لتربية أتباعهم وخصومهم على حد سواء، ويريدون أن يجعلوا لهم هيبة أكبر من حجمهم الطبيعي بمثل هذه اللغة وهذا التكفير الوارد في البيان أعلاه.
أفعال وأقوال ومواقف قادة الإسلام السياسي في الفترة الأخيرة تشير إلى أن ثمة تحركاً مريباً وإعادة لبناء التنظيمات وفقاً لخطة مدروسة أشار لنماذج منها محمد أحمد الراشد في كتابه "المسار"، وهي خطة عسكرية منظّمة ويبدو أن تنظيمات الإسلام السياسي في السعودية تسير على قضبان هذه الخطة بشكل منضبط ومطوّر ليناسب أدوات المرحلة الحالية، يحدثنا الراشد عن عناصر الخطة فيقول في كتابه "المسار" ص 388 (إنشاء كليات أركان الدعوة.. وهي شبيهة بكليات أركان الجيوش التي تعدّ الفرد الضابط المتوسط الرتبة ليقود فيعلمونه طريقة عمل كل أصناف الجيش وليس صنفه فقط، ويعلمونه الناحية السياسية وتاريخ بلده).
ومن عناصر خطة الراشد ص 403 (بث البلغاء من الخطباء العلماء للتكلم في المساجد والمحاضرة في المنتديات) وذلك بهدف (حملة تجميع واسعة سريعة)، ويتم ذلك عبر ص 405 (زخم متواصل من الخطابة والوعظ والحوار والنقاش والوضوح والغموض، يقوم به رهط متنوع الثقافة مدعوم بدعاية من قبل مجموع الدعاة مفرّغ من الأعمال الإدارية الداخلية، يوزّع أدواره ضابط تنسيق لبق).
ونحن نرى كيف أن "مجموع الدعاة" اليوم نزل بنفسه لصناعة الزخم وتكبير الهيبة وإبراز الأنياب، وكيف حرّك جنوده في المنتديات والمساجد لخدمة أهدافه التي صرخ بها في البيان السابق.
لم تنتهِ الخطة بعد، بل بقيت لها عناصر أخرى، فمن عناصرها ص 406 (طبع رسائل صغيرة كثيرة وتوزيعها بالمجان وخاصة ما تتناول تحليل مشاكل البلد المحلية من وجهة نظر إسلامية .. ومنها: استثمار منظّم لأشرطة الكاسيت.. إن إشاعة الأشرطة.. من الواجب أن تبرمج قيادياً في كل قطر لتكون سلاحاً إعلامياً رديفاً للكتب والمجلات).
أحسب أن كل من يقرأ أجزاء من هذه الخطة التنظيمية العسكرية المحكمة لتنظيمات الإسلام السياسي، من يقرؤها اليوم يعرف أن تحركات الإسلام السياسي في الفترة الأخيرة تسير وفق مثل هذا التخطيط والتنظيم العسكري الدقيق لضرب الخصوم وتأديب من يرفض الخضوع لخط التنظيم وأولوياته.
ما هي مفردات المشهد التي تدل على عمل منظّم يتم في هذه الفترة؟ كثيرة هي تلك المفردات ومنها على سبيل المثال الإصدار المنظّم لبيانات تحمل تواقيع العشرات من شخصيات الإسلام السياسي مع بعض من فيهم "غفلة الصالحين" للهجوم على مواقف سياسية لبعض الدول العربية أو الإسلامية كما في بيان "الجبهة الداخلية أمام التحديات"، أو بيانات تؤيد تنظيمات حليفة كما في بيان تأييد "حماس" الذي صدر في تاريخ 11/2/1427هـ، أو بيانات تشجب الإصلاحات الحكومية في مجالات التعليم أو الاجتماع أو مشاركة المرأة ومن ذلك بيان يشجب تطوير المناهج الدينية أو الإصلاحات الإدارية في مجال التعليم، وبيان بشأن عمل المرأة ومشاركتها في المجتمع، وبيانات تهاجم بعض مؤسسات الدولة كوزارة الإعلام ومن ذلك البيان الصادر بتاريخ 4/4/1427هـ، وبيانات للهجوم على المثقفين والصحفيين ومثالها هذا البيان الأخير الذي صدَّرنا المقال بمقاطع منه ووقعه واحد وستون شخصاً.
البيانات مفردة واحدة من مفردات المشهد الدالّ على تحرّك مريب لجماعات الإسلام السياسي، والمفردة الثانية هي في ملاحقة المخالفين من المثقفين أو من الإسلاميين المستقلين قضائياً، والقضايا المرفوعة ضد بعض الشخصيات المعروفة هي قضايا مشهورة ومتكررة وتتزايد باستمرار.
ومن مفردات المشهد الدالّ على التحرك التنظيمي هي تلك الهجمات المنظّمة التي يقوم بها خفافيش الإنترنت الذين يختبئون خلف أسماء مستعارة ويمارسون ما يحلو لهم من سباب وشتم وتكفير وتفسيق وتبديع ودعوات للقتل والتصفية موجهة ضد مثقفين ومسؤولين وشخصيات وطنية لها وزنها الكبير، من أمثال الهجمات المركّزة ضد الدكتور غازي القصيبي، والهجمات المنظّمة ضد الدكتور حمزة المزيني وضد الأستاذ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ وضد عدد آخر من الشخصيات، هي هجمات كانت تتم بشكل عشوائي سابقاً، لكنها بدت في الفترة الأخيرة منظّمة، بحيث يكتب كل "اسم مستعار" عن شخصية معيّنة له من قبل التنظيم فيجري لها البحث اللازم ويتابع تفاصيلها ويهاجمها بالصدق والكذب، بالحق والباطل.
ومن مفردات المشهد الدالّة على التحرك التنظيمي الجديد ما جرى في الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض الكتاب الأخير في الرياض، وتجميع الغوغاء لمهاجمة الرموز الثقافية في البلد والمفكرين الزائرين ومحاولة فرض أجندتهم بالقوة على تلك الفاعاليات.
لا أدري لمَ يتسلل إلى لساني وعقلي وأنا أختم هذه السطور قول الشاعر:
أرى خِلل الرماد وميض جمر... ويوشك أن يكون له ضرام.