نودّع العام المنصرم ونستقبل العام القادم كما نفعل سنة بعد سنة· نحاول في هذه المساحة المتاحة أن نساهم في تسليط الضوء على المناخ السياسي المحيط بنا دون أن نخوض في التفاصيل وعذرنا في هذه الانتقائية، وكما أوردت،حجم المساحة·
العام الراحل، في العديد من اتجاهاته، يمثل، لعالمنا العربي امتداداً لهزة إرهاب الحادي عشر من سبتمبر وتداعياته، وكأن سنتنا في هذا الامتداد والاستمرار أشهرها فوق الثمانية والأربعين شهراً لا الإثني عشر شهراً التي عهدناها من التقويم· فتداعيات تفجير البرجين مستمرة ومؤثرة على العديد من الجوانب، وهناك إدراك بأن العولمة العلمية والمالية لها مرآة أخرى وهي عولمة الإرهاب وعولمة أسلحة الدمار الشامل وعولمة التصادم الديني والثقافي والتي تتهمنا بتوفير البيئة الحاضنة للإرهاب· ولأنني من المؤمنين بأن الله سبحانه وتعالى لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم فإنني أبقى من المتحمسين للمراجعة الداخلية لمجتمعاتنا، مراجعة ناقدة وصادقة، مراجعة صريحة وعقلانية، بل وفي هذا التشديد على الجانب الداخلي وكون التعامل معه أساس الخروج من أزمتنا· قد يجد بعض الأصدقاء في حواراتنا العديدة أنني أقل اهتماماً بالعوامل الخارجية والتفسيرات التي تشمل العداء لديننا وثقافتنا أو التي تنطلق من انغماس كامل في تحميل الاستعمار والكولونيالية الجديدة أسباب المآزق التي نجد أنفسنا فيها، أقول هذا ولا ألغي الأسباب الخارجية ولكنني على يقين أن طريق النهضة والصعود لن يرصف حفره ومطباته سوى التعامل مع الداخل وأزماته· كما أن إعطاء الأولوية للمبررات الخارجية من الأسباب الرئيسية لتجذير أسس ثقافة منهزمة ترى ألا حول ولا قوة لها في ما يجري حولها وفي مواجهة تحديات هذا العصر·
أما الوجه الآخر للعام الراحل فلعل عنوانه الرئيسي تداعيات السقوط الرهيب لحزب )البعث( وديكتاتوريته في العراق، وهذا الحدث الجلل، وعلى رغم أنه ما زال تطوراً سائلاً لم تتكون هيئته، إلا أنه يحمل في طياته العديد من الأخطار وا لاحتمالات، ولعل معظم القراء سيتفقون معي أن الشكل النهائي للدولة العراقية سيؤثر جذرياً على الدول المحيطة، بل وعلى النظام العربي ككل· فعراق ديمقراطي تعددي ومستقر سيحمل في طياته بذور التعامل مع تيارات التطرف في العالم العربي· وعلي أن أضيف أن فرصة مثل هذا التحول الناجح في العراق ما زالت قائمة مع أنها تصبح أكثر وأكثر صعوبة يوماً بعد يوم· من جهة أخرى لعل سقوط الديكتاتور وتعريته أوضحا أن العالم العربي لا يستطيع أن يستمر في مساره المدمر والذي شهدناه من خلال تطويع العديد من الأنظمة للإيديولوجيا والشعارات لتبرير سيطرة القادة (التاريخيين) على السلطة· مثل هذا الإدراك بدا واضحاً في العام المنصرم حين رأينا العديد من النظم تفر هاربة إلى الأمام من آثار العولمة، وهنا لا أعني عولمة العلم والتجارة والتكنولوجيا ولكن عولمة السيطرة الأميركية على الساحة السياسية الشرق أوسطية التي دعت الصديق يتساءل قبل العدو من هو الهدف القادم وما هو المقصود من هذا الضغط، وهل هو لليّ الذراع أم تقويض السلطة ككل من هيبة وسيطرة العائلة (الجملوكية) وهيمنة الحزب؟ ولعل أكثر من عانى في هذه الشهور الماضية هم كهول الأيديولوجيا ولكن، وعلى ما يبدو، للسلطة لذة وأما التاريخ فبالإمكان التنازل عنه·
يبقى أن نتمنى لك عزيزي القارئ عاماً سعيداً وكل عام وأنت بخير.