لا خلاف على أن المستوى التعليمي للقوى العاملة يعتبر من أهم ركائز عجلة التنمية بمفهومها الشامل. وأن عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن تتم دون العنصر البشري المؤهل والقادر على تحقيق التنمية بمختلف جوانبها، والواقع فإن أهمية هذا العنصر البشري في العمليات الإنتاجية والخدمية، تعتمد على مدى التطور النوعي لهذا العنصر. ففي الدول الأكثر تقدماً، تشير الدراسات المتخصصة إلى أن الزيادة بمعدلات بسيطة نسبياً في المستوى التعليمي، تؤدي إلى زيادة في إنتاجية العمل بمعدلات كبيرة، حيث إن أربع سنوات من التعليم الابتدائي تزيد في متوسط إنتاجية العمل الذي يقوم به الشخص بنسبة لا تقل عن 40%، وأن التعليم حتى المرحلة الثانوية يزيد في متوسط إنتاجية الفرد بنسبة 27%، وأن التعليم الجامعي يزيد في هذه الإنتاجية بنسبة 62% مقارنة بذوي التعليم الثانوي. أما بالنسبة إلى دولة الإمارات، فإن المستوى التعليمي المنخفض للقوى العاملة يعد إحدى أبرز معوقات التنمية في الدولة. ففي الوقت الذي تفترض فيه متطلبات المرحلة ضرورة الانتقال من عمالة كثيفة غير ماهرة إلى عمالة رفيعة وقليلة العدد، ظلت العمالة الوافدة طيلة السنوات الماضية تزداد عدديا ولكنها لا تتطور نوعيا بذات المستوى، حيث لا تزال فئة الأميين وشبه الأميين تمثل أكثر من نصف مجموع العمالة. فبحسب النتائج الأولية للتعداد العام للسكان، التي أعلن عنها مؤخرا، بلغ عدد الأميين من الوافدين ما يقرب من 300 ألف، يمثلون 9% من المجموع الكلي للوافدين في الدولة، في حين بلغت نسبة الوافدين الحاصلين على الثانوية العامة كأعلى مؤهل علمي 23.8%، وبلغت نسبة الوافدين الحاصلين على شهادات جامعية (بكالوريوس فما فوق) 18.4% من إجمالي الوافدين. هذه الحقائق تضع الجميع أمام حالة ربما تستدعي التدخل من قبل السلطات المختصة في الدولة لبلورة سياسات وإجراءات للتعاطي مع هذه المؤشرات، ولا سيما فيما يتعلق بتطوير نوعية العمالة الوافدة. وهو مطلب يبدو ملحّاً على اعتبار أن هذه المؤشرات السلبية تتنامى بوضوح منذ أن رصدها الإحصاء السكاني في منتصف التسعينيات حين أشار إلى هذه الحقيقة، ولم تتخذ خطوات عملية لتصحيح هذا الوضع، الذي يتناقض كليا مع المتطلبات الحالية والمستقبلية لسوق العمل المحلي في ظل عولمة الاقتصاد والتقدم التقني. إن هذا الواقع يتطلب إعادة النظر بوجود العمالة الوافدة ذات المستويات التعليمية الدنيا واستمرار تدفقها. وهذا بدوره يتطلب التنسيق ما بين الجهات المعنية في الدولة للعمل على صياغة وتنفيذ حزمة من السياسات والبرامج المتناسقة تضمن إيقاف هذا المد المتنامي من العمالة الوافدة ذات المستويات التعليمية الدنيا، واستقدام العمالة الوافدة بصورة رشيدة وانتقائية بحيث تقتصر على نوعيات العمالة ذات المستويات التعليمية العليا والتخصصات والخبرات النادرة، حتى تصبح العمالة الوافدة قيمة مضافة حقيقية إلى الاقتصاد الوطني ولا تتحول إلى عبء ينوء به اقتصاد البلاد وهو ينزع باتجاه مجتمع المعرفة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.