إن الخسائر التي نتجت عن زلزال إيران وهي مصرع أكثر من 30 ألف شخص على الأقل، وتشرد أكثر من 40 ألفا غيرهم خلال ثوان معدودات، أمر يصعب استيعابه . ونستطيع أن نتوقع، أنه في وقت ما ،خلال السنوات القليلة القادمة سوف تقع زلازل أخرى مدمرة في بلاد مبانيها غير مصممة لمواجهة الزلازل ، وأنه سينتج عنها خسائر لا تقل فداحة عن خسائر الزلزال الأخير في إيران. إن الزلازل مجال يبدو فيه بشكل عميق، مدى الفارق الذي يفصل بين الدول المتقدمة والدول النامية. و تلك الحقيقة المؤلمة تضع على عاتقنا نحن علماء الزلازل مسؤولية التفكير في الطريقة المثلى اللازمة للتعامل مع الزلازل التي تقع في الدول الفقيرة. والدلائل على تلك الفجوة في الخسائر التي تنتج عن الزلازل واضحة في أكثر من حالة. ففي عام 1989 وقع زلزال في (لوما بييرتا) في كاليفورنيا بقوة 6.9 ريختر، ومع ذلك لم ينتج عنه سوى مصرع 63 شخصا وإصابة 3700 غيرهم. في حين وقع زلزال عام 2001 في (بوج) في الهند بقوة 7.6 ريختر تقريبا أسفر عن مصرع 20 ألف شخص وإصابة أكثر من مئة ألف غيرهم. وفي عام 1999 وقع زلزال في (إزميت) في تركيا بمقياس 7.5 ريختر أسفر عن مصرع 17 ألف شخص وتشرد 600 ألف شخص آخرين .
والسبب الرئيس في فداحة الخسائر الناجمة عن الزلازل في الدول النامية أن الكثير من البيوت التي تؤوي الملايين من البشر في الدول النامية مبنية من الطوب النيئ الذي لا يستطيع الصمود أمام أي هزة أرضية. و في البلاد النامية الواقعة في منطقة حزام الزلازل، فإننا نجد أنه حتى المباني المبنية بالخرسانة المسلحة تتحول إلى مصائد موت للسكان عند وقوع زلزال، لأنها غير معدة في الأصل لمواجهة الزلازل. في تناقض صارخ مع ذلك، نرى أن الزلازل التي تقع في البلدان المتقدمة لا ينتج عنها مثل تلك الخسائر الفادحة . للتدليل على ذلك نأخذ على سبيل المثال ذلك الزلزال الذي وقع في (كوبي) باليابان عام 1995· فعلى رغم أن ذلك الزلزال قد ألحق خسائر فادحة بأكثر من 100 ألف مبنى ، فإنه لم ينتج عنه سوى مصرع 5500 شخص ،فقط معظمهم كانوا يسكنون في بيوت قديمة بنيت قبل تطبيق قانون المباني الحديثة في اليابان.
وعلى رغم الأدلة الأكيدة على فاعلية هندسة الزلازل، إلا أن مسألة استخدامها في الدول النامية يحيطها الكثير من التعقيدات. فالتركيبات المعدلة، التي تم استخدامها لدعم الأبنية والمنشآت الخطرة،مثل محطات القوى الكهربائية، والسدود، وخطوط الأنابيب، والجسور العلوية، في ولاية مثل كاليفورنيا، ودولة مثل اليابان تعتبر مكلفة بدرجة تدفع العديد من الدول النامية للإحجام عن اللجوء إليها، على رغم حقيقة أن المنظمات الدولية تعمل من أجل التوصل إلى حلول عملية رخيصة التكلفة لبعض من أكثر المناطق تعرضا لمخاطر الزلازل في دول العالم النامي. مع ذلك فإننا نجد أن السبب الأساسي الذي يجعل من الصعوبة بمكان تطبيق هندسة الزلازل في العالم النامي هو سبب جيولوجي وليس بشريا. فالزلازل المدمرة التي وقعت في الصين والهند، والتي سبقت الإشارة إليها آنفا هي أحداث (بين طبقية) أي أنها وقعت بعيدا عن حدود الطبقات الجيولوجية الكبرى التي تنتشر فيها الزلازل، والتي يمكن اكتشاف الشقوق والصدوع الواقعة في طبقاتها. وفي معظم الحالات فإن (الزلازل بين الطبقية) لا تكون لها صلة مسبقة معروفة بأية شقوق أو صدوع جيولوجية وهو ما يزيد من صعوبة التنبؤ بها.
والزلازل الكبرى التي تحدث نتيجة لتصدعات بين الطبقات الأرضية لا تحدث كثيرا أو بشكل متكرر. فالزلزال المدمر الأخير الذي وقع في مدينة بام الإيرانية الأثرية دمر قلعة عتيقة يرجع تاريخها إلى ألفي عام خلت مما يعني أنه لم تقع زلازل مماثلة للزلزال الأخير في تلك المنطقة من قبل وإلا كانت تلك القلعة قد تهدمت. ومن منظور جيولوجي، يمكن القول إن هذا الزلزال قد وقع ضمن ما يعرف بمنطقة (زاجروس)، وهي منطقة عريضة من التصدعات الطبقية الأرضية، والتشوهات في القشرة الأرضية التي نتجت عن وقوع تصادم بين الطبقات الأرضية في المنطقة العربية وتلك الواقعة في منطقة وسط آسيا.
وفي الوقت الذي تمضي فيه الجهود الرامية لتطبيق هندسة الزلازل والاستعدادات الخاصة بها قدما في العالم النامي، فإن هناك سؤالا يخطر على الذهن في هذا السياق هو: ما هي الإجراءات الأخرى التي يمكننا القيام بها للحد من التأثيرات المدمرة للزلازل؟ الإجابة قد تتمثل في المعادلة السحرية المكونة من السيسمولوجيا (علم الزلازل) وإمكانيات التنبؤ بالزلازل.
والتنبؤ لن ينقذنا من الكثير من الدمار المادي الذي يصاحب الزلازل التي تحدث في الدول النامية، ولكنه سيكون بلا شك ذا فعالية هائلة في تخفيض عدد الوفيات. فالتنبؤ الناجح بزلزال (هايتشينج) في الصين ساهم دون ريب في إنقاذ حياة عشرات الآلاف من الأرواح. ولكن على رغم مضي ما يزيد عن ثلاثين عاما على هذا التنبؤ الناجح بوقوع زلزال، فإن جهود التنبؤات الزلازلية التي تبعت ذلك، لم تحقق نجاحا مماثلا إلى درجة أن الكثيرين من علماء الزلازل قد يئ


