التعاون الأميركي- الإثيوبي والحرب السرية في القرن الأفريقي
أفاد مسؤولون أميركيون أن الجيش الأميركي شن الشهر الماضي حملة عسكرية انطلاقاً من إثيوبيا تهدف إلى اعتقال أو قتل زعماء "القاعدة" في منطقة القرن الأفريقي، مستعملاً مدرجاً للطائرات شرق إثيوبيا لتنفيذ ضربات جوية ضد النشطاء الإسلاميين في الصومال المجاورة. كما شملت العلاقة الوثيقة والسرية مع إثيوبيا أيضاً اقتساماً مهماً مع الجيش الإثيوبي للمعلومات الاستخبارية حول مواقع النشطاء الإسلاميين ومعلومات أقمار التجسس الأميركية. إضافة إلى ذلك، فقد تم نشر وحدة من قوات العمليات الخاصة الأميركية، القوة 88، في كل من إثيوبيا وكينيا، قبل أن تدخل إلى الصومال.
وقد رأى مسؤولون أميركيون أن جهود محاربة الإرهاب هذه كانت ناجحة على اعتبار أنها عرقلت الشبكات الإرهابية في الصومال، وأدت إلى مقتل أو اعتقال عدة نشطاء إسلاميين، وقامت على علاقة تعاون مع إثيوبيا ما فتئت تتطور منذ سنوات. غير أن قائمة القتلى والمعتقلين لم تشمل بعض زعماء "القاعدة" -مثل فضل عبدالله محمد وفهد محمد علي مسلم- اللذين تتعقبهما الولايات المتحدة لدورهما المفترض في الهجمات على السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998. والواقع أنه في ظل استمرار وجود الصومال في حالة فوضى، وسعي المسؤولين الأميركيين والأفارقة إلى نشر قوة لحفظ السلام في هذا البلد الأفريقي، الذي مزقته الحرب، فإن التأثيرات بعيدة المدى المترتبة عن العمليات الأميركية الأخيرة مازالت غير واضحة.
وإذا كان من المعلوم منذ بضعة أسابيع أن قوات العمليات الخاصة الأميركية قد عملت داخل الصومال، وأن الولايات المتحدة نفذت ضربتين جويتين على بعض المشتبه في انتمائهم إلى "القاعدة" باستعمال طائرات حربية من طراز "إي سي 130"، فإن مدى التعاون الأميركي مع الغزو الإثيوبي الأخير للصومال وحقيقة أن "البنتاجون" استعمل مدرجاً للطائرات بشكل سري لتنفيذ هجمات لم يكونا معروفين من قبل. وتعد الحملة العسكرية السرية في منطقة القرن الأفريقي مثالاً على المقاربة الأقوى والأكثر صرامة التي تبناها "البنتاجون" في السنوات الأخيرة، والتي تقوم على تسخير قوات العمليات الخاصة لتعقب المشتبه في علاقتهم بالإرهاب عبر العالم. ويُذكر هنا أن الرئيس بوش منح "البنتاجون" صلاحيات واسعة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتنفيذ هذه المهمات، التي كانت تاريخياً من اختصاص عملاء الاستخبارات.
عندما بدأت القوات الإثيوبية هجوماً عسكرياً واسع النطاق لأول مرة في الصومال أواخر العام الماضي، نفى مسؤولون في واشنطن أن تكون إدارة بوش قد منحت الحكومة الإثيوبية موافقة ضمنية. غير أن مسؤولين من وكالات أميركية مختلفة تحدثوا، ضمن حوارات معهم على مدى الأسابيع الماضية، عن تحالف وثيق بين واشنطن والحكومة الإثيوبية ما فتئ يتطور في ظل تطابق الأهداف: استئصال التشدد الإسلامي داخل الصومال.
"برايان ويتمان"، المتحدث باسم "البنتاجون"، رفض الإفصاح عن تفاصيل العملية الأميركية، غير أن بعض المسؤولين وافقوا على الحديث عنها لأنهم يعتبرونها قصة نجاح نسبي. وفي هذا السياق، يقولون إن العلاقة الوثيقة بين البلدين تمثلت في اقتسام المعلومات الاستخباراتية حول مواقع الإسلاميين -نزولاً عند طلب الإثيوبيين. وحسب هؤلاء المسؤولين، فإن "جون نيجروبونتي"، مدير الاستخبارات الوطنية وقتها، هو الذي سمح بتسخير أقمار التجسس لمساعدة القوات الإثيوبية.
ويعد التحالف الأميركي مع إثيوبيا أحدث حلقة في مسلسل التدخلات الأميركية في الصومال، والذي بدأ في 1992 بهدف توزيع المساعدات الغذائية على الصوماليين الذين كانوا يتضورون جوعاً، وتطور إلى مواجهة قاتلة عام 1993 بين القوات الأميركية ومقاتلين موالين لزعيم الحرب الصومالي محمد فارح عيديد. أما الفصل الأخير، فقد بدأ في يونيو المنصرم عندما تغلب "اتحاد المحاكم الإسلامية" على ائتلاف لزعماء الحرب، تدعمه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، وبسط سيطرته على العاصمة مقديشو. كما كان يُعتقد أن الإسلاميين يحتضنون نشطاء من "القاعدة" متورطين في التفجيرات التي استهدفت السفارتين الأميركيتين في أفريقيا، إضافة إلى فندق في كينيا.
وبعد فشل جهود "السي آي إيه" في تسليح وتمويل زعماء الحرب الصوماليين، قررت إدارة بوش انتهاج سياسة جديدة تروم دعم الحكومة الصومالية الضعيفة. وهو القرار الذي جعل السياسة الأميركية منسجمة مع السياسة الإثيوبية. في غضون ذلك، اشتدت قبضة الإسلاميين على السلطة، وبدأت قواتهم تحاصر "بيداوا"، وهي المدينة التي كانت تؤوي الحكومة المؤقتة. وكان الإثيوبيون قد حذروا الإسلاميين من أنه في حال هاجموا المدينة، فإنهم سيردون على ذلك بهجوم واسع النطاق.
وعندما بدأ الهجوم الإثيوبي في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي، أحرزت الدبابات وبطاريات الصواريخ والطائرات الحربية الإثيوبية تقدماً سريعاً على المليشيا الإسلامية قليلة الخبرة وضعيفة التجهيز. ونتيجة لذلك، بدأ الإسلاميون في التراجع، وفر أعضاء "القاعدة" ومساعدوهم المقربون جنوباً في اتجاه منطقة مستنقعات. حينها، بدأت وحدة من قوات العمليات الخاصة الأميركية تخطط، بناء على معلومات من القوات الإثيوبية في الصومال والاستخبارات الأميركية، لتنفيذ ضربات مباشرة.
وهكذا، وصلت في السادس من يناير الماضي طائرتان حربيتان معروفتان بقوتهما التدميرية من طراز "آي سي 130" إلى مطار صغير شرق إثيوبيا. وبموازاة مع ذلك، قامت وحدات من قوات العمليات الخاصة الأميركية تعمل في كينيا، بتعاون مع الجيش الكيني، بتحديد مواقع بمحاذاة الحدود الجنوبية لاعتقال النشطاء الذي قد يحاولون الفرار.
وفي السابع من يناير، أي بعد يوم واحد على وصول الطائرتين الحربيتين إلى إثيوبيا، تم تنفيذ الضربة الجوية الأولى بالقرب من منطقة "راس كمبوني"، وهي بلدة ساحلية معزولة على الحدود الكينية. أما الضربة الثانية، فنفذت في الثالث والعشرين من يناير، وكانت تستهدف أحد قادة "اتحاد المحاكم الإسلامية" وهو الشيخ "أحمد مادوبي". غير أن "مادوبي" نجا من العملية، ولكنه اعتُقل لاحقاً من قبل القوات الإثيوبية.
مايكل جوردن ومارك مازيتي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محررا الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"