انتخابات الرئاسة الموريتانية... من يدخل "القصر الرمادي"؟
يتوجه قرابة مليون ناخب موريتاني اليوم (الأحد) إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد من بين المرشحيْن سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله وأحمد ولد داداه، اللذين تأهلا للدور الثاني من انتخابات رئاسية شهدت تنافس 19 مرشحاً في دورها الأول، الذي جرى قبل أسبوعين. وبانتخاب رئيس جمهورية جديد تكتمل بذلك استحقاقات "المرحلة الانتقالية" التي مرت بها البلاد منذ انقلاب 3 أغسطس 2005، وهي الاستحقاقات التي شملت من قبل تنظيم انتخابات بلدية وتشريعية. وباستلام الرئيس الجديد لمهام عمله، تنتهي تلقائياً فترة حكم "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية" الحاكم منذ ذلك التاريخ بقيادة العقيد اعلي ولد محمد فال، كما تنتهي بالتوازي مع ذلك فترة ولاية الحكومة الانتقالية التي يرأسها الوزير الأول سيدي محمد ولد بوبكر. وعلى رغم أن البلاد عرفت خلال العقدين الماضيين تنظيم انتخابات رئاسية عديدة، إلا أن ما ميز التجربة الحالية هو خلو لائحة أسماء المتسابقين الـ19 إلى قصر الرئاسة من اسم الرئيس الموجود في السلطة.
وبنظرة سريعة على القوى السياسية –والاجتماعية- الداعمة لكل من المترشحيْن للرئاسة، وعلى النسبة المئوية التي حققها كل منهما في الدور الأول، يصعب التكهن من الآن بمن سيسكن منهما، بعد أيام، في ربوع القصر الرمادي بانواكشوط. فولد الشيخ عبدالله الذي ترشح للرئاسيات بصفته "مستقلاً"، وحلَّ في صدارة المترشحين في الشوط الأول بحصوله على 24.79% من الأصوات، يدعمه الآن في الشوط الثاني تكتل من "المستقلين" يمتلك أكبر عدد مقاعد في البرلمان المنتخب مؤخراً، كما يدعمه معظم الأحزاب والقوى الموصوفة بالانتماء إلى الأغلبية الرئاسية سابقاً، وفي مقدمتها المرشح "المستقل" الزين ولد زيدان الذي حل ثالثاً في الشوط الأول وحصل على 15.27%. كما تمكن ولد الشيخ عبدالله أيضاً من استقطاب أحزاب وقوى كانت تقليدياً ضمن "تحالف قوى التغيير" المعارض سابقاً، والذي يتزعمه منافسه، وأهم المستقطَبين هنا انتخابياً هو حزب "التحالف الشعبي التقدمي" وزعيمه مسعود ولد بلخير، الذي حل في المرتبة الرابعة وحصل على 9.8% من الأصوات.
أما أحمد ولد داداه، الأخ غير الشقيق للرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه، فقد حصل على 20.68%، ويدعمه حزبه "تكتل القوى الديمقراطية"، الذي حصل هو أيضاً على أكبر عدد مقاعد بين جميع الأحزاب في البرلمان. كما يدعمه بعض زعماء أحزاب المعارضة السابقة، التي كانت تشكل "تحالف قوى التغيير"، ومن أبرز داعميه اليوم السياسي الزنجي "إبراهيما مختار صار" الذي حل خامساً وحصل على 7.94%، وزعيم حزب "حاتم" صالح ولد حننا الذي جاء سادساً، وحصل على 7.65% من الأصوات. هذا إضافة إلى زعماء أحزاب مثل محمد ولد مولود رئيس حزب "اتحاد قوى التقدم" اليساري الذي نال 4.08%، والرئيس السابق محمد خونة ولد هيدالة (1.73%)، وآخرين. كما تدعم ولد داداه بعض حركات الإسلام السياسي، في مقابل دعم آخر يناله منافسه ولد الشيخ عبدالله في صفوف بعض الطرق الصوفية خاصة. أما اجتماعياً وجهوياً فالمرشحان يكادان يكونان من منطقة واحدة، فولد داداه ينتمي إلى مدينة "أبو تليميت" (170 كلم شرق العاصمة) بالولاية السادسة، ومنافسه ينتمي إلى بلدة "المدن" التي تبعد عنها قرابة 40 كلم فحسب إلى الشرق، وإن كانت تتبع الولاية الخامسة.
والحقيقة أن هذا الشوط الثاني، يعيد عملياً اليوم جميع رهانات المعركة الانتخابية التي لم تحسم في الشوط الأول، فالاستقطاب السياسي الحاد الذي شتَّته تعدُّد المرشحين الـ19 قبل أسبوعين، يتركز الآن ويبدو ظاهراً بوضوح أكبر بعد أن ضاق خيار الناخبين، وأصبح إحدى خانتين رئيسيتين لا أكثر، على ورقة اقتراع باتت أقل تعقيداً، بما لا يقارن. وهو استقطاب تترجمه بوضوح اليوم خطابة الحملة الانتخابية حيناً، وتختصره أيضاً طبيعة وسيولة التحالفات السياسية أحياناً أخرى كثيرة. ولعل المناظرة التلفزيونية التي جمعت المرشحين مساء الخميس الماضي، التي نقلتها الفضائية الموريتانية، وبعض الفضائيات العربية والأجنبية، كانت تعبيراً واضحاً عن ارتفاع إيقاع الحملة الانتخابية في شوطها الثاني، ودخولها تخوماً سياسية محمومة، وإن لم تؤدِّ بالضرورة إلى حشر أي من المتناظرين في الزاوية، أو توجيه انتقادات مباشرة له، أو حتى إلى خروج أي منهما عن "النص" أو "الكلام المُباح" إلا فيما ندر، خاصة وأن أسئلة المناظرة ومحاورها الستة، كان قد اتفق عليها سلفاً بين منسقي حملتيْ المرشحين، فبدت روتينية إعلامياً، وقليلة المفاجآت سياسياً.
ولعل نظرة سريعة على محاور المناظرة الرئاسية تلك تختصر في الواقع ما أراد منظموها تركيز الأضواء عليه من حزمة مشاغل الناخبين الموريتانيين الراهنة التي وجدت في الرئاسيات فرصة للخروج إلى الأضواء. على أن مشاغل أخرى عديدة تم استبعادها من فضاء التداول في المناظرة، ربما بالتراضي والتفاهم. فقد تحدث كل من المترشحين عن المحاور الستة نفسها، وقدم مقاربته الخاصة إزاءها، وهي: -تعزيز الوحدة الوطنية، وأكثر ما أثير هنا هو مسألة العلاقة مع الجنوب، وما يسمى في أوساط الزنوج الموريتانيين بـ"قضية المُبعدين"، وأيضاً مخلّفات مسألة الرّق سابقاً في البلاد. والحكم الرشيد وإقامة دولة القانون. ومحاربة الفقر وتحسين ظروف المواطن. والتهذيب (أي إصلاح النظام التعليمي). والاقتصاد واستغلال الثروات. والعلاقات الخارجية. وكان ملفتاً عدم تعرض المناظرة، لا من قريب ولا من بعيد، لمسائل شائكة وحساسة أخرى كثيرة كالعلاقة مع إسرائيل، في المحور السادس تحديداً، وقضايا الفساد، والترخيص لحزب ديني.. الخ، كما بدا ملفتاً أيضاً تقارب طرح المرشحين، واتفاقهما تقريباً في معظم الخطوط العريضة والديباجات السياسية العامة.
وقد قدم المرشح أحمد ولد داداه نفسه بصفته "مرشح التغيير"، باعتباره زعيماً للمعارضة، مستثمراً في ذلك تاريخ مواجهته المديدة مع النظام السابق، وما تعرض له من مضايقات، في حين قدم ولد الشيخ عبدالله نفسه باعتباره "مرشح إجماع وطني" الآن، تلتفّ حوله الأغلبية الرئاسية السابقة وبعض قيادات المعارضة، وما قال إنه حققه من مكاسب سياسية في الدور الأول من الرئاسيات، مدللاً على ذلك بنيله الترتيب الأول في 10 ولايات (من مجموع 13) في عموم البلاد.
والشيء الأكيد اليوم هو أن فترة حكم "المجلس العسكري" تنتهي الآن، وتنتهي معها أيضاً "شرعية التعهُّدات" التي استند إليها طيلة السنتين الماضيتين، بعد أن وصلت المرحلة الانتقالية المرسومة إلى نهايتها، بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وعندما تتحدد (بعد غد على الأرجح) هوية من سيكون شاغل القصر الرمادي بانواكشوط، ستبدأ شرعية أخرى جديدة أيضاً، أفرزتها هذه المرة صناديق الاقتراع، هذا في بلد شهد خلال عقود مديدة احتقانات حادة وتجاذبات سياسية مريرة، وتحولت فيه الانقلابات والانقلابات العسكرية المُضادة، منذ نهاية السبعينيات، إلى ما يشبه الرياضة الصباحية الوطنية.
وكائناً من كان الفائز في انتخابات اليوم الرئاسية في موريتانيا، فإن في انتظاره تحديات حقيقية، ليس أولها تعويم وتسيير اقتصاد مترهّل ومثقل بأعباء هيكلية كثيرة، ولا آخرها تحديد الكيفية التي سيخلق بها توازناً وتعاوناً إيجايبين مع السلطة التشريعية، خاصة أن البرلمان المنتخب حديثاً بغرفتيْه، هو في حالة من التشتت والتنوع وعدم الانسجام الحزبي والسياسي لا مثيل لها. هذا إضافة طبعاً إلى تحديد نوعية العلاقة بين الطبقة السياسية والمؤسسة العسكرية، من الآن فصاعداً، بعد عودة العسكريين إلى ثكناتهم. أما إسقاط ما تم إطلاقه من برامج وتعهدات للناخبين طيلة أسابيع الحملة، وترجمته على أرض الواقع، بحيث تتبع الأفعال الأقوال، فهذا ليس تحدياً يواجه رئيس موريتانيا الجديد فحسب، بل هو تحدٍّ عام، يطرح عادة نفسه على أية تجربة تصف نفسها بأنها "ديمقراطية". وهنا الرهان الحقيقي في مواجهة استحقاقات المستقبل.