حدود الحكمة في لبنان
تنفس كل محب للبنان الصعداء بعد الطريقة الحكيمة التي أدار بها "زعماؤه" الأزمة التي ولدتها الجريمة البشعة لاختطاف طفل وشاب لبنانيين ثم قتلهما بوحشية. كان من شأن جريمة كهذه أن تودي بالبقية الباقية من استقرار لبنان لو تصرف هؤلاء الزعماء بالرعونة نفسها التي ألفناها طويلاً في خصوص الأزمة اللبنانية الراهنة خاصة وقد رافق الأزمة مناخ مخيف من الشائعات التي بدا أن مروجيها مصرون على استدراج لبنان إلى الحرب الأهلية من جديد، كذلك فقد ربطت أحداث الاختطاف والقتل بخلفية ما وقع في بيروت في يناير الماضي في منطقة الجامعة بين أنصار المعارضة وأنصار الأكثرية، وقتل فيها شاب تردد أن أحد أقاربه متورط بجريمة الاختطاف مما كرر المحاذير من صدامات مذهبية، وإن كان قد ثبت زيف هذا الاتهام لاحقاً، وقد بلغت حكمة القيادات حداً قيل إنه أدى إلى تنفيس الاحتقان في الساحة السياسية اللبنانية، وولد الأمل في إعادة الروح إلى الحوار السياسي الوطني بحثاً عن مخرج من الأزمة اللعينة.
تحدث وليد جنبلاط بأفضل كلماته منذ بداية الأزمة اللبنانية الراهنة، فأكد في الكلمة التي ألقاها في مراسم تشييع الضحيتين على مرجعية الدولة، وضرورة إبعاد الحادث عن التسييس وقطع الطريق على الإشاعات الرامية إلى إيقاظ نار الفتنة، بل لقد حمَّلَ كلمته مضموناً وطنياً جامعاً لا لبس فيه بقوله: "ما الفارق بين الضاحية (الجنوبية) وطريق الجديدة (محل أنصاره)؟ لا شيء... هل لي أن أذكر بعدوان 1982 ومشاركة هذه المنطقة في التصدي البطولي لجحافل إسرائيل؟ وهل لي أن أذكر بما حل في الضاحية من عدوان إسرائيل 2006؟ يجمعنا التفاؤل وتجمعنا المقاومة. تجمعنا أكبر بكثير من الخلاف السياسي الآني". ناهيك عن شكره للرئيس بري وثنائه على بيان "حزب الله" الذي أدان الجريمة.
تبدو الكلمات دون شك رائعة في وطنيتها خاصة بالنظر إلى احتدام الأزمة السياسية اللبنانية عامة وطبيعة الظرف الآني المتمثل بجريمة القتل النكراء بصفة خاصة، وكذلك بالقياس إلى تصريحات سابقة للمتحدث نفسه كانت في جوهرها تصب زيتاً كثيراً على النار المشتعلة بغير سند في كثير من الأحيان.
لا نملك سوى أن نحمد الله على هذه الحكمة التي حلت فجأة بالقيادات السياسية اللبنانية، وأن نحني الرؤوس لها احتراماً، وأن نتمنى أن ينجح الزعماء اللبنانيون في استخلاص الفرصة من رحم الأزمة، غير أن المرء لا يمكنه أن يمنع نفسه من تساؤلات ضرورية حول تفسير هذه الحكمة المفاجئة من قبل جميع الأطراف. صحيح أن تقاليدنا الشرقية قد جعلت من الموت دائماً عاملاً مساعداً في التئام الجروح ورأب الصدع في خلافات قائمة بين أطراف عديدة، لكن هذا يبدو أكثر انطباقاً على العلاقات الاجتماعية منه على العلاقات السياسية.
أيكون الزعماء السياسيون اللبنانيون قد اكتشفوا فجأة أن ممارساتهم تفتح الطريق وتمهده لهذا النوع من الأحداث؟ ومتى إذن يكتشفون أن هذه الممارسات قد طالت بالفعل أوضاعاً لا تقل أهمية كالحياة الاقتصادية في بلد يعد بقاؤه الاقتصادي من قبيل المعجزات التي لاشك يعود الفضل فيها لقدرة الشعب اللبناني ودأبه؟ وهل يكون من شأن تنفيس الاحتقان على ضوء تلك الجريمة الأخيرة أن تعيد جميع الأطراف النظر في الطريقة التي أدارت بها الأزمة من بدايتها وحتى الآن؟ وهل تكون المسألة بهذه السهولة طالما أن قضايا الخلاف حقيقية وعجز أطرافه عن إيجاد حلول لها على الرغم من كل ما بُذل من جهود لبنانية وعربية؟
أيكون هؤلاء الزعماء قد وجدوا أن الوقت غير ملائم لتفجير الوضع الداخلي خاصة وأن بعضهم قد أبدى حرصه من البداية على عدم الانجرار إلى الفتنة الداخلية والحرب الأهلية لا قدر الله، وربما يكون بعضهم الآخر قد أدرك أن قوى إقليمية وعالمية ذات صلة قد لا يلائمها تفجير الوضع اللبناني في اللحظة الراهنة بالنظر إلى تعقد الوضع الإقليمي على نحو غير مسبوق بما يجعل من أية تطورات لبنانية باتجاه هذا التفجير عبئاً آنياً على تلك القوى؟
أتكون خيوط الجريمة قد بدأت في التبلور على النحو الذي يجعل من محاولة توظيفها سياسياً عملاً غير مضمون يمكن أن يفضي إلى أضرار سياسية بالغة لمن يقدم على مثل تلك المحاولة، ومن ثم تبقى الحكمة خياراً أفضل؟
على أية حال فإن الواجب يقتضي منا عدم التقليل من أهمية ردود الفعل السياسية الأولية لتلك الجريمة النكراء، فقد كان ممكناً أن تأخذ التطورات مجرى مغايراً فيغرق لبنان في دوامة جديدة من العنف لا قدر الله هو في أمسِّ الحاجة لتجنبها في تلك الظروف، كما أن محبة لبنان وشعبه تجعلنا ننضم إلى أولئك الذين يتمنون لهذا البلد أن تكون الجريمة الغادرة وتداعياتها وردود أفعالها العاقلة في الساحة السياسية اللبنانية نقطة بداية لاستئناف الحوار الوطني والخروج من ركود الأزمة الراهنة ومخاطرها.
غير أن المسؤولية من ناحية أخرى تقتضي التنبيه إلى أن إنجازاً كهذا قد يكون بحاجة إلى ما هو أكثر بكثير من التصرفات العاقلة، وإذا تأسينا بسوابق القمم العربية على سبيل المثال فإنها تصدر قرارات مسؤولة، وتخرج عن المشاركين فيها تصريحات مشجعة ثم يتوقف الأمر كله على الالتزام بتنفيذ القرارات والاقتداء في السلوك بمضمون تلك التصريحات، وهو ما لا يحدث عادة، ويعني هذا أن التصريحات وحدها لا تكفي خاصة وقد رأينا على مدار الشهور الماضية أن ثمة اختلافاً حقيقياً في المصالح بين أطراف الأزمة حول قضايا ليست بالهينة، ومن الصعوبة بمكان أن تحل التناقضات في الرؤى حول هذه القضايا بمجرد تنفيس الاحتقان بعد عمل جبان. لا أقول هذا من قبيل التيئيس من إمكانيات التقدم في حل الأزمة وإنما من باب لفت النظر إلى أن مسار هذا التقدم ليس سهلاً تحيط به عقبات كثيرة من الأفضل إدراكها والتحسب لها منذ البداية على الأقل كي نتفادى تأثيراتها الضارة إذا استؤنف الحوار الوطني.
كذلك ربما يكون من الضروري لفت الانتباه إلى أن حكمة الزعماء كما بدت من تصريحاتهم الأخيرة لم تمتد فيما يبدو إلى المتطرفين في الشارع السياسي الذي يمثل قاعدة تلك القيادات، فقد شهد توديع جثماني الضحيتين البريئتين هتافات ذات طابع مذهبي وسياسي طالت قوى المعارضة عموماً وشخص الأمين العام لحزب الله خصوصا، وكذلك -وكالعادة- النظام السوري. صحيح أن حكمة جنبلاط قد أوقفت الأمور عند حدها، لكن الهتافات في كل مرة كانت تعود بما يشير إلى أن هناك من يريد للنيران أن تشتعل بالوعي أو باللاوعي، ويشكل هذا جزءاً من المناخ السياسي في لبنان ينبغي أيضاً التحسب له.
يبقى أخيراً أن نلفت الانتباه إلى حقيقة عجز المؤسسات الأمنية في الدولة اللبنانية عن وقف هذا النوع من الجرائم وفك شفرتها، وبدلاً من أن تمسك هذه المؤسسات بتلابيب المجرمين في حادث واحد كي نعرف جميعاً من يريد سوءاً بلبنان وأهله فإن رموز الحكومة اللبنانية وقوى الموالاة بصفة عامة تثابر على الاكتفاء بتوجيه الاتهامات في اتجاهات معروفة يشير أغلبها إلى النظام السوري، ويعني هذا لا قدر الله أن هذا النوع من الجرائم مرشح للاستمرار من حين لآخر طالما بقيت المؤسسات الأمنية في لبنان عاجزة عن تطوير قدراتها، واكتفت المؤسسات السياسية بتوجيه الاتهامات دون شاهد من واقع أو سند من قانون.
نتمنى إذن للبنان الحبيب بداية جديدة تضعه على أول طريق حكمة غابت طويلاً عن زعمائه، لكن هذه الحكمة المفاجئة لا تبدو كافية لضمان الوصول إلى النهاية السعيدة التي يحلم بها كل مخلص للبنان.