حرب 67... رواية "المؤرخين الجدد"
بمرور الذكرى الأربعين لحرب يونيو 67 بين العرب وإسرائيل وما رافقها من تحليلات على صفحات الجرائد والبرامج التلفزيونية، يصل رفوف المكتبات مؤلف جديد يفتح مرة أخرى صفحات الحرب التي انتهت بهزيمة الجيوش العربية على ثلاث جبهات وتغيير كبير في خريطة المنطقة. غير أن المؤلف "توم سيجيف"، الكاتب في صحيفة "هآرتس" وأحد "المؤرخين الجدد" في إسرائيل يقوم في كتابه "1967، الحرب والسنة التي غيرت الشرق الأوسط" بإعادة قراءة الحرب على ضوء المعلومات الجديدة المستقاة من الأرشيف الإسرائيلي، فضلاً عن اللقاءات التي أجراها الكاتب مع شخصيات عسكرية وسياسية شاركت في الحرب وعايشتها عن قرب. ويذكر المؤلف ابتداءً أن المعارك نفسها لم تتعدَّ الستة أيام وكانت نتائجها قاسية على العرب، بحيث تمكنت إسرائيل في أقل من ساعة على بدء الهجوم من تدمير 250 طائرة مصرية، كما نجح الجيش الإسرائيلي في اختراق الخطوط المصرية والتوغل عميقاً في سيناء، وعلى الجبهتين السورية والأردنية تمكنت إسرائيل من احتلال الجولان والضفة الغربية لتصبح المساحة التي احتلتها إسرائيل بعد 1967 أربع مرات أكبر مما كانت عليه قبل ذلك.
لكن المؤلف الذي ينتمي إلى جماعة "المؤرخين الجدد" في إسرائيل سعى من خلال مؤلفاته السابقة إلى دحض ما يعتبره الأساطير المؤسسة لإسرائيل، حيث سبق وأن تطرق مثلاً إلى الدور الذي لعبته الحركة الصهيونية في تدهور العلاقات بين العرب واليهود والبريطانيين خلال فترة الانتداب البريطاني، ثم لاحقاً التدخل الصهيوني في شؤون اليهود الناجين من "الهولوكوست" وإقناعهم بالاستقرار في إسرائيل. وعلى نفس المنوال يسعى "توم سيجيف" في هذا الكتاب إلى فضح الادعاءات الجوفاء التي ساقها جنرالات الحرب في إسرائيل عشية 1967، من أن الحرب كانت ضرورة حتمية في إطار الصراع من أجل البقاء، وفي ظل التهديدات التي أعلن عنها العرب في تلك الفترة. ومع أن المؤلف لا يجهر بهذا صراحة، إلا أن أطروحته الأساسية في الكتاب تكاد تعلن عن نفسها دون مواربة، ذلك أنه بالنسبة للكاتب كان الخوف من هجوم عربي "بعيداً عن الحقيقة"، مضيفاً: "في الحقيقية لم يكن هناك أي مبرر لحالة الارتباك التي سادت قبل الحرب، ولا لحالة الابتهاج التي عمت بعدها".
فبدلاً من الاستجابة لخطر وشيك كان يتهدد إسرائيل تصرف الإسرائيليون انطلاقاً من ذاكرتهم المليئة بسنوات العذاب التي قاساها اليهود في أوروبا والخوف مجدداً من تكرارها على أيدي العرب. ويوضح المؤلف ذلك من خلال إشارته إلى بعض التدابير القاسية التي اتخذتها القيادات الإسرائيلية قبيل بدء الحرب مثل حفر القبور تحسباً للعدد الكبير من الضحايا، معبراً عن ذلك بقوله "فقط مجتمع مازال غارقاً في ذكريات الهولوكوست يتحسب بهذا الشكل لمحرقة أخرى". والأكثر من ذلك يحمل المؤلف مسؤولية الحرب للظروف الاقتصادية الصعبة التي عرفتها إسرائيل في عام 1966، وارتفاع أسعار العقارات، وهو ما ضاعف من الشعور بالارتباك الذي طغى على الإسرائيليين. ولفهم الأسباب التي دفعت إلى الحرب يجادل "توم سيجيف" بأنه لا تكفي الإحاطة بالجوانب الدبلوماسية والعسكرية التي سبقت إعلان الحرب، بل يتعين التركيز أيضاً على معرفة الإسرائيليين أنفسهم بمعزل عن الاعتبارات العسكرية وغيرها.
هذه المعرفة يبرع الكاتب في تقديمها إلى القراء من خلال بحث شامل قاده إلى قراءة الرسائل والمذكرات وإجراء الحوارات ليس فقط مع السياسيين والعسكريين الذين صنعوا التاريخ، بل أيضاً المواطنين العاديين الذين توزعهم الخوف على مستقبل دولة مازالت هشة، والرغبة في ترسيخ وجود تلك الدولة. وفي هذا الإطار يشير المؤلف إلى الاختلاف الجوهري في وجهات النظر بين الجنرالات بقيادة "موشي دايان" وإلى جانبه القادة الآخرون مثل "إسحاق رابين" وغيرهم، وبين الجيل الأكبر من السياسيين الذين يمثلهم رئيس الحكومة "ليفي إشكول" المتخوف من بدء الحرب مع العرب. هذا الاختلاف في المواقف والآراء بين الجنرالات والسياسيين يرجعه المؤلف ليس فقط إلى اعتبارات تكتيكية مؤقتة، بل إلى اختلافات أيديولوجية وسيكولوجية. فالجنرالات نظروا إلى السياسيين -والعديد منهم كانوا من أوروبا الشرقية وأكبر سناً من العسكريين- على أنهم سجناء عقلية الشتات اليهودية. وبحصر إسرائيل في الداخل رأى العسكريون أن السياسيين سيحولون البلد إلى "جيتو" جديد منعزل على نفسه وعن العالم الخارجي. لذا لم يكن غريباً أن يطلق "إسحاق رابين" الذي كان وقتها رئيساً لهيئة الأركان على رئيس الوزراء "ليفي إشكول" وباقي السياسيين لقب "اليهود"، بينما كان هذا الأخير يطلق على الجنرالات اسم "البروسيين" في إشارة إلى الألمان.
وثمة عامل آخر ساد عشية الحرب في إسرائيل هو حالة عدم الثقة التي ظهرت خلال عقد الستينيات. فبعد اختفاء القيادة القوية ممثلة في "ديفيد بن جوريون" غرقت إسرائيل في حالة من الارتباك غذتها شخصية "ليفي إشكول" المترددة. وباقتصاد يعاني من الركود، وتنامي الهجرة إلى خارج إسرائيل، فضلاً عن الانقسام الاجتماعي الذي ظهر بين اليهود الغربيين ونظرائهم الشرقيين تولد انطباع بأن حلم إسرائيل بدأ يحيد عن الطريق المرسوم. ويصف المؤلف ذلك الانطباع بقوله "لقد احتشدت جميع تلك المشاعر خلال الأسبوع الذي سبق الحرب، دافعة البلاد نحو حالة من الجنون، بحيث لم يشعر اليهود بإحساس مماثل منذ الهولوكوست". وفي هذه الأجواء المحتقنة، فضلاً عن الدبلوماسية الدولية الضعيفة، لاسيما في ظل انشغال إدارة الرئيس جونسون بحرب فيتنام، لم يكن من السهل على السياسيين إخراس أصوات العسكريين المنادية بالحرب. وحسب المؤلف كانت الأجواء تنذر بانقلاب يهيئ له العسكريون في الخفاء إذا ما منعوا من القتال، وراح الجنرالات يحذرون من تلقي إسرائيل لضربة أولى ستكون قاضية. لكن في الوقت نفسه طمأنوا السياسيين بأنه لو بادرت إسرائيل بالهجوم فإن العرب سينهارون بسهولة، وهو ما كان فعلاً.
زهير الكساب
الكتاب: 1967، الحرب والسنة التي غيرت الشرق الأوسط
المؤلف: توم سيجيف
الناشر: ميتروبوليتان بوكس
تاريخ النشر: 2007