الدور المطلوب من البعثات الدبلوماسية العربية
كيف تقوم البعثات الدبلوماسية العربية، من قنصليات وسفارات، منتشرة في كل بقاع الدنيا، بمسؤولياتها تجاه قضايا وطنها، وخدمة أهداف أمنه القومي؟ وهل تقوم بما يلزم للحفاظ على صورة الدولة الخارجية ومصالحها الاستراتيجية في الدولة المضيفة؟ وهل هذه البعثات تقوم بدورها ومسؤولياتها بمبادرات منها أم أنها تنتظر دائماً التعليمات من وزارة الخارجية التابعة لها؟ وهل العاملون في هذه البعثات مؤهلون وقادرون على القيام بواجبات وظائفهم أم أن الأمر، مثل كل شيء في الدول العربية، يخضع للواسطة والمحسوبية والعشوائية أو الدور والتدرج الوظيفي؟ وهل ستظل بعض الدول العربية تعتمد على الصدفة وحدها في نجاح أحد دبلوماسييها في القيام بمهام وظيفته؟ وهل يتركز الاهتمام على البعثات الدبلوماسية التي تعمل في بعض الدول الكبرى فقط، أم أن هناك فكراً وتخطيطاً وراء تنظيم البعثات الدبلوماسية العربية؟
أسئلة كثيرة تدور في الذهن عند التعرض لهذا الموضوع الذي بات يمثل ظاهرة عامة في معظم الدول العربية، والتي نادراً ما نسمع عن دور فاعل لبعثاتها الدبلوماسية في القيام بمهامها، رغم أن الدبلوماسية أداة حيوية ومهمة ورئيسية في حماية الأمن القومي وخدمة المصالح الاستراتيجية للدولة.
ونظراً إلى أن العمل الدبلوماسي يخضع أساساً للأسلوب العلمي والمنظم ويحتاج إلى خبرة عملية، فإن المستقبل يفرض ضرورة إعادة النظر في دور هذه البعثات الدبلوماسية وتفعيله في ظل التداخل الواضح بين الدبلوماسية والتنمية الشاملة للدولة والتحديات والتهديدات التي تواجه الأمن القومي بأبعاده كلها، في ظل الحاجة إلى التأثير في مواقف الحكومات في الدول المضيفة لهذه البعثات الدبلوماسية، والحصول على تأييدها للمصالح الاستراتيجية للدولة الأم.
وإذا كانت الدولة العظمى الوحيدة في العالم التي تملك كل أسباب القوة الشاملة وتعمل على فرض إرادتها وهيمنتها دون اعتبار لمصالح الدول الأخرى في العالم، قد كلفت مؤخراً أحد مراكز الدراسات الاستراتيجية المهمة بإعداد دراسة حول "سفارة المستقبل"، شارك فيها نحو 28 شخصاً ما بين سفير سابق ودبلوماسي مخضرم وأستاذ جامعي من الأميركيين المشهود لهم بالكفاءة في العمل الدبلوماسي، فإن معظم الدول العربية أولى بمثل هذه الدراسات حتى لا تظل أسيرة ضعف أداء بعثاتها الدبلوماسية، وقصورها عن القيام بالدور المنوط بها، وإنفاق الملايين على هذه البعثات من باب الوجاهة الخارجية، ومن ثم تبرز الحاجة إلى تفعيل دورها وإلى أن تتحرك وفق برنامج عمل يضمن التغلب على النمطية والعمل البيروقراطي لهذه البعثات دون عائد يذكر على مصالح الدولة، وأن يكون هناك حساب عسير لنتائج عمل ونشاط هذه البعثات مقارنة بمهامها ومسؤولياتها وواجباتها.
البداية الواقعية يجب أن تركز أساساً على عناصر أساسية عدة أهمها:
* حسن اختيار "رأس المال البشري" للعاملين في الحقل الدبلوماسي، والعمل على تثقيفهم وتعليمهم، وهذا يتحقق من خلال التأهيل المحترف، والاستفادة من الخبرات الأجنبية في مجالات الدبلوماسية والاستثمار الخارجي والاقتصاد، وربما يحتاج الأمر إلى إنشاء "أكاديمية للدبلوماسية" تقوم بإعداد وتأهيل الدبلوماسيين والإداريين للعمل في البعثات الدبلوماسية، وتضمن تحقيق التقارب بين الدارسين من مختلف الدول العربية، والذين سيتحملون مسؤولية العمل الدبلوماسي فيما بعد.
* الاستفادة من التكنولوجيا ومزجها بالعمل الدبلوماسي، من خلال ربط وزارة الخارجية ببعثاتها الدبلوماسية للتواصل الفني والإداري والتنسيق بين البعثات المختلفة من ناحية، وتداول كافة البيانات والمعلومات والتقارير بصورة فورية من ناحية أخرى.
* إن أهم عناصر النجاح تكمن في توسيع نطاق نقل المعرفة وتبادل المعلومات بين وزارة الخارجية وبعثاتها، والاهتمام بالمؤتمرات المرئية المباشرة لإقامة حوار مستمر بين الاثنين، مع السماح بقدر كبير من حرية التصرف لهذه البعثات.
* الحاجة إلى إيجاد وسائل جديدة للاتصال، مثل الاستفادة من شبكة الإنترنت في التواصل المستمر لإدارة المناقشات والحوارات الفورية بين الإدارات المعنية في وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية المرتبطة بها، كما يجب على كل بعثة إنشاء موقع خاص بها على الشبكة بلغة الدولة التي تعمل بها، وتفعيل الخدمات إلكترونياً لإبراز الوجه الحضاري للدولة من جانب، وتقليل الضغط على العمل القنصلي من جانب آخر.
* تركيز العمل الدبلوماسي خارج جدران المباني، من خلال تشجيع الاتصالات المباشرة للسفراء والقناصل مع الجهات المعنية في دولة الضيافة، سواء في الحكومة أو زعماء الأحزاب، أو وسائل الإعلام، والرأي العام، للعمل على تصحيح صورة الدولة ومواقفها التي تتعرض لها وسائل الإعلام المحلية، وكذلك دعم المصالح الحيوية للدولة، فيجب أن يكون نشاط الدبلوماسيين واضحاً لدعم هذه المصالح.
* الاختيار الصحيح للسفراء والقناصل بما يتوافق مع الدولة التي سيعملون بها، سواء من حيث إتقان اللغة، أو فهم الثقافة والتقاليد السائدة، أو الدراية الكاملة بالعلاقات التاريخية معها، أو نظامها السياسي ومواقف هذه الدولة المختلفة تجاه مصالح دولته، ونقاط القوة والضعف في سياسة دولته السابقة تجاه هذه الدولة، وأن يتعرف الدبلوماسي بدقة على المهمة المطلوبة منه.
* توافر القدرة لهذه البعثات على سرعة الرد على تقارير "حقوق الإنسان"، و"حقوق المرأة"، والاتفاقيات الدولية، والقضايا العالمية، وفق مصالح الدولة التي تمثلها، وهذا يستدعي الإلمام المستمر بمواقف الدولة من هذه الموضوعات. ومن المؤكد أن هناك عناصر كثيرة أخرى يلزم أخذها بعين الاعتبار لتفعيل دور بعثاتنا الدبلوماسية، في عصر أصبح ليس قرية صغيرة فحسب، بل ربما بناية سكنية واحدة، كل ساكن فيها يحاول معرفة كل شيء عن جاره ليحدد أسلوب التعامل معه، لذا فإن هناك حاجة لإعادة النظر في كل عملنا الدبلوماسي إذا أردنا أن يكون لنا دور فاعل في المجتمع الخارجي.