أما وقد انتهت زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة إلى لا شيء تقريباً فقد يحسن بنا أن نبحث في أسبابها بدلاً من أن نتعب في تقييم نتائجها. لماذا جاء الرجل إلى المنطقة أصلاً؟ خاصة وهي الزيارة التي جاءت في السنة الأخيرة لولايته وهي السنة التي يوصف فيها الرئيس الأميركي عادة بأنه "بطة عرجاء" بمعنى أنه رئيس ولا رئيس، فهو يملك السلطة ليفعل أي شيء لكنه عادة لا يقدم على مبادرات جديدة قد تطيح إذا فشلت بمكانته في التاريخ الأميركي ناهيك عن قضائها على أمل المرشح المنتمي إلى حزبه في التطلع إلى مقعد الرئاسة. وقد لا يكون التحليل المنطلق من فكرة "البطة العرجاء" دقيقاً ومع ذلك فمن المؤكد أنه ينطبق بوضوح على الرئيس الأميركي الحالي، لأنه ورط بلاده في سلسلة من القرارات والسياسات ذات النتائج الكارثية. ومن الصعوبة بمكان أن ينسلخ منها في عامه الأخير، فحركته إذن محكومة بمحاولات تحسين الأداء وليس هذا بالأمر الهيِّن بالنظر إلى تجذر الانحياز الأميركي لإسرائيل وعمق الورطة الأميركية في العراق وتعقد مواجهتها مع إيران. يصعب في هذا الإطار إذن أن نتصور سبباً وجيهاً لحضور بوش للمنطقة. ولا تخرج الأسباب المحتملة لزيارته الأخيرة للمنطقة عن ثلاثة: إما أنه قد جاء لتحسين صورته أو صورة حزبه المقبل على انتخابات رئاسية بعد شهور أو لتحقيق دفعة قوية للمصالح الأميركية في المنطقة، وفي كل الاحتمالات الثلاثة يبدو أداء الرجل مهزوزاً ومرتبكاً وغير قادر على أن يحقق أي شيء من زيارته. الأخطر من ذلك ما لوحظ -كما سيأتي لاحقاً- من أن ارتباك الأداء واهتزازه ليس مقتصراً على بوش وحده وإنما يمتد إلى مؤسسات صنع السياسة الخارجية بصفة عامة. المشكلة أن القضايا التي طُرحت في الزيارة لم تبد متشابكة فحسب -وهو أمر طبيعي نظراً لترابط مشكلات المنطقة- وإنما بدت توجهات السياسة الأميركية بشأنها متضاربة. زار الرجل إسرائيل وأراضي الحكم الذاتي الفلسطيني سعياً وراء وضع فكرة "الدولتين" موضع التطبيق وهي فكرة باتت مدخلاً لامتداد الصراع أكثر منها لتسويته، طالما أنه يصر على التمسك بأفكار من شأنها أن تجعل من أية تسوية محتملة وفقاً لهذه الفكرة قنبلة موقوتة تنفجر في وجه كل من يمسك بها، وذلك بعد أن أكد غير مرة مبدأ يهودية الدولة الإسرائيلية، وأن الموقف الأميركي من المستوطنات لا يزيد عن المطالبة بتفكيك العشوائي منها ووقف التوسع فيها بما يعني الاحتفاظ بكتلها الكبرى. كما أكد أن رؤيته لمشكلة اللاجئين قائمة على فكرة التعويض وليس العودة كما تنص القرارات الدولية ذات الصلة، ويستحيل على الفلسطينيين التسليم بفقدان حقوقهم وبأن يُستبدل بها حشرهم جميعاً فيما يقل عن خمس أرض فلسطين الطبيعية. بهذا لم يكن ممكناً لبوش أن يكسب تأييداً عربياً حقيقياً لسياسته تجاه القضية الفلسطينية، وحتى رجال الحكم الذاتي في رام الله الذين يضعون البيض كله في سلة التسوية لا يمكن أن يجرؤ أي منهم على أن يقبل أفكاراً كهذه، فكيف كان يتصور بوش أن يكون هذا مدخلاً للحصول على تأييد عربي لسياساته ينفعه في أن ينجز ما يحاول إنجازه في سنته الأخيرة؟ هل يأتي التأييد العربي لبوش إذن من أنه يقف إلى جوارنا في مواجهة التهديد الإيراني؟ من الواضح للغاية من سلوك بوش في هذه الزيارة تجاه المسألة الإيرانية أن إدراكه للموقف العربي منها خاطئ. فهو يتصور أن المشكلات العالقة في مسار العلاقات العربية- الإيرانية، وهي مهمة للغاية، تكفيه للحصول على تأييد عربي لسياسة التحريض على إيران التي قد تصل إلى حد توجيه ضربة عسكرية لها. وهو فهم بالغ البُعد عن الحقيقة، فنحن العرب لنا مطالبنا الثابتة تجاه إيران كما في موضوع الجزر الإماراتية على سبيل المثال، ومخاوفنا من تداعيات سياستها في المنطقة كما في المسألة العراقية والملف النووي، وهواجسنا إزاء بعض مواقفها كما في المسألة البحرينية، لكننا نؤمن بالقطع أن إدارة العلاقات مع إيران لا يمكن أن تعتمد على اللجوء للقوة المسلحة ناهيك عن أن تكون تحت قيادة أميركية، وقد تعلمنا ما يكفينا من الدروس من خبرة الحرب العراقية- الإيرانية التي امتدت بطول ثماني سنوات وكذلك من خبرة الاحتلال الأميركي للعراق، ونحن نعلم تمام العلم أن بناء القوة العربية وتحقيق التماسك العربي هو وحده الكفيل بأن يكون العرب في موقف ندي تجاه إيران يجبرها على احترام حقوقهم ومصالحهم، ويكون مدخلاً لتعاون حقيقي قائم على تحقيق المصالح المشروعة المتبادلة للطرفين، ولذلك لم يستمع بوش في منطقة الخليج إلى رنين حماس لكلماته عن إيران التي بدت أشبه بمقدمات لإعلان حرب جديدة في المنطقة هي بالتأكيد في غنى عن ويلاتها. بقيت مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن المستحيل أن يأتيه التأييد العربي بسببها أولاً لأنها تسبب لحلفائه الرسميين إرباكاً طالما أنها تنال منهم شخصياً، وثانياً لأن القوى المتطلعة لديمقراطية حقيقية في الوطن العربي تعلم مدى مراوغة الخطاب السياسي الأميركي في هذا الصدد، وثالثاً لأن هذا الخطاب بدا باهتاً بلا طعم أو لون أو رائحة في زيارته الأخيرة للمنطقة، وهي سمة غير جديدة على أي حال منذ اكتشفت الإدارة الأميركية أن التطبيق الحقيقي لمعايير الديمقراطية قد يأتي على حساب مصالحها، ومع ذلك فإن القدر الباقي للإدارة الأميركية من التمسك بخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان كان كافياً لإغضاب واحد من أهم النظم في المنطقة وهو النظام المصري الذي بدا غير متقبل فكرة ربط المعونة الأميركية بمسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان ضمن مسائل أخرى، ولذلك بدا سلوك أجهزة الإعلام الرسمية وشبه الرسمية لافتاً من زاوية الاستخفاف بزيارة بوش والسخرية منها، كما كان لتغاضي قوات الأمن عن المظاهرات الغاضبة عليه وعلى زيارته دلالات لا تخطئها عين المراقب. تشابكت الخيوط وتضاربت الاتجاهات بين يدي بوش إذن، والأدهى من ذلك أن مؤسسات نظامه بدت متضاربة هي الأخرى في حركتها فالكونجرس الأميركي في إطار صراعه مع الرئيس يتخذ قرارات تغضب الأصدقاء الخارجيين للولايات المتحدة، والمخابرات المركزية الأميركية تصدر تقريراً عن البرنامج النووي الإيراني يحرج الرئيس، وقيادة الأسطول الأميركي الخامس تكذب الادعاءات الرسمية الأميركية بشأن حادثة تعرض بعض قطع الأسطول لتهديد من زوارق الحرس الثوري الإيراني. الخلاصة إذن أن السياسة الأميركية تمر بواحدة من أشد مراحلها اضطراباً، وقد يكون النهج الأصوب إزاءها هو الابتعاد عنها قدر المستطاع في المرحلة الراهنة تماماً كما يبتعد الناس عن رجل قوي كان يعاني من بعض أعراض الجنون فإذا بها تنقلب مساً يفتح الباب لكل الاحتمالات. ويبقى النهج الأصوب في كل الأحوال أن نأخذ أمورنا بأيدينا وأن نجبر غيرنا بقوتنا وتماسكنا على أن يحترم مصالحنا ويتوقف عن ممارسة لعبة الاستخفاف بنا.