لو أرادت إسرائيل أن تحرق غزة بأكملها لاستطاعت، ولو أرادت أن تقتل كل الأطفال الفلسطينيين لما فشلت في ذلك، ولو أنها أرادت أن تهجِّر المزيد من الفلسطينيين لفعلت. إسرائيل تستطيع أن تفعل ما تشاء فقط لأنها تعرف ما تريد. أما العرب فلا يستطيعون أن يفعلوا أي شيء فقط لأنهم لا يعرفون ماذا يريدون. هل يريد العرب الدفاع عن أطفال غزة وحمايتهم، أم يريدون القضاء على "حماس" واقتلاعها من جذورها؟ هل يقبلون بأن يدفع الأطفال الأبرياء ذنب خلاف "حماس" و"فتح" أم يحمون أولئك الأطفال وتبقى "حماس" و"فتح" على خلافاتهما؟ هل يصمتون عن المجازر الإسرائيلية التي قد تحقق لهم جزءاً مما يتمنون، أم يخضعون لصوت ضمائرهم ويتفاعلون مع مواقف شعوبهم المطالبة بإيقاف المجازر التي يروح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ أبرياء؟ إنها أسئلة بحاجة إلى أجوبة صادقة. ما حدث في غزة منذ يوم الأربعاء 28 فبراير الماضي جريمة جديدة تضاف إلى سجلات الجرائم الإسرائيلية التي من الواضح أن عُقدة القهر التي عانى منها الإسرائيليون على أيدي الألمان إبان الحرب العالمية الثانية ما تزال قائمة ويريدون أن يُفرِّغوها على الفلسطينيين.. فما الفرق بين "الهولوكوست" الذي تعرضوا له وبين ما يفعلونه اليوم بالأطفال والشيوخ والنساء الفلسطينيين؟! وهذا يطرح تساؤلاً آخر هو: هل يظلم المظلوم غيره؟ هل يحق لمن يعتبرون أنفسهم ضحايا أن يكونوا في نفس الوقت مجرمين يُفرِّغون عُقدهم النفسية على أبناء شعب أعزل، ويكررون "هولوكوست" آخر في القرن الحادي والعشرين؟ إسرائيل تبحث عن نصر رخيص على الفلسطينيين ولا يهمها إن كان هذا النصر على حساب الأطفال والنساء ثم تنسحب لتعود مرة أخرى للقتل والتدمير. أما "حماس" -وعلى طريقة "حزب الله" في صيف 2006- فقد اعتبرت الانسحاب الذي أعلنه الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين الماضي، انتصاراً عظيماً لها، واحتفلت بطريقتها بهذا النصر. فهل يعتبر منتصراً من قتل وجرح لديه أكثر من أربعمائة شخص، ودمرت بناه التحتية ومرافقه الحيوية؟! لا ندري ما هي معايير النصر في القرن الحادي والعشرين. ولكنها بلاشك معايير جديدة ومثيرة للجدل يختلف عليها العرب، ولا يتفقون. بعد أن أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وقف عملياته –مؤقتاً- ضد غزة وسحب قواته كل ما فعلناه من الجانب العربي هو وقف المفاوضات وتأجيل الاجتماعات، وبعض المظاهرات الشعبية هنا وهناك. هذه كانت مظاهر الاحتجاج والغضب العربي على قتل 116 فلسطينياً وجرح أكثر من ثلاثمائة فلسطيني خلال أقل من أسبوع. لا أعتقد أن ردة الفعل هذه تناسب وواحدة من أخطر المجازر على الفلسطينيين منذ حرب 67، إننا بحاجة إلى ردة فعل أكثر تأثيراً. أما الرئيس الفلسطيني محمود عباس فقد قرر عدم توزيع الابتسامات على الإسرائيليين، كما قام بالتبرع بدمه لضحايا المجزرة، هذا كل ما استطاع. ومن يراقب حال الشعب الفلسطيني اليوم يبدو له واضحاً أنه لا يحتاج إلى من يتبرع له بالدم بقدر ما هو بحاجة إلى أن يساعده على حماية نفسه وأطفاله وعدم تعريض دمه للهدر وعدم إلقائه للموت بالمجان. من الواضح أن إسرائيل تعودت قبل كل قمة عربية أن تهدي العرب "مجزرة"، واليوم هي تعرف أن القادة العرب سيجتمعون بعد أسابيع، ورغم ذلك لا تتورع في أن تشغل كل آلتها العسكرية من أجل سحق الأبرياء في فلسطين، ومن أجل تفريغ أية قمة عربية من قيمتها. إنها تضع الدول العربية "قاصدة" في حرج أمام شعوبها، وهي تسيء بشكل متعمد لكل دولة عربية تتحمس من أجل العمل للسلام معها. وهي بهذه الأفعال الإجرامية لا تقول غير شيء واحد هو إنها لا تأبه بالسلام، وليس لها أي أصدقاء في المنطقة... ومن يحلم بأن يكون صديقاً لإسرائيل فهو واهم. عندما يسأل الشارع العربي عن القمة، سيقول لك "بلا قمة بلا بطيخ" بهذه اللغة البسيطة والسلبية في نفس الوقت يرد المواطن العربي على من يتكلم عن قمة عربية يلتقي فيها قادة العرب منقسمين ومختلفين، ويبدو أن خلافاتهم صارت أكبر وأعمق وأصعب وأخطر من خلافاتهم مع عدوتهم إسرائيل. وهذا ما يجعل هذه القمة تأتي في وقت يكون عدم انعقادها أفضل. فالموقف مما يحدث في لبنان متباين، والخلاف على هذا الملف بلغ مبلغاً لم يتوقعه أكثر المتشائمين، والتدخل العالمي ولاسيما الإيراني في هذا الملف بلغ مبلغاً عميقاً غير مطمئن لأي طرف عربي، ووصل الخلاف العربي- العربي إلى مرحلة الخطر الذي لم يصل إليه من قبل، الأمر الذي بدأ يقلق الجميع، ويجعل المراقبين يتساءلون: إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هي نهاية هذه الخلافات العربية؟ أما الموقف مما يحدث في غزة فقد يكون واضحاً بالنسبة للقمة العربية، ولكن صراع "الإخوة الأعداء"- "فتح" و"حماس" قد يجعل المواقف العربية متباينة إلى حد ما، الأمر الذي يزيد القمة العربية تعقيداً على تعقيد، ويخلط بعض الأوراق المبعثرة أصلاً. الخلاصة في مسألة القمة أن عرب القمة الذين يفترض أن يشاركوا في القمة العربية في دمشق مختلفون على المكان والزمان وتفاصيل الاجتماع، الأمر الذي يضع هذه القمة تحت جميع التكهنات. أما أبناء غزة وهم عرب أيضاً، وتلك القمة تهمهم، فإنهم يشعرون بأن هذه القمة قد لا تُنصفهم كما فعلت القمم السابقة فتضيع قضيتهم في خضم الخلافات العربية- العربية التي صرنا نلاحظ في السنوات الأخيرة أنها تصل إلى طريق مسدود! أخيراً نؤكد أنه قد تستطيع إسرائيل إزالة غزة بأكملها، ويمكن وبمساعدة أصدقائها المعروفين وغير المعروفين أن يختفي نصف سكان غزة. لكنها لا تستطيع أن تقتل الضمير العربي. ولن تستطيع أن توقف التضامن والتعاطف الشعبي مع أولئك الأطفال الأبطال. ولن تستطيع أن توقف دموع أطفال العالم وهم يرون إخوانهم يقتلون بلا رحمة، ويبكون دون أن يستمع إلى صوتهم أحد.