كان بعض الرواد في الفكر الاستشرافي الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين قد وضعوا أيديهم على واقعة راحت المجتمعات الغربية الرأسمالية تنتجها وتعممها في أوساط الناس، بوتائر متصاعدة تصاعد تأثيرات قانون الاستغلال اللصيق بها (بهذه المجتمعات)، وهي انقسامها اقتصادياً وديموغرافياً إلى قسمين اثنين، القسم الأعظم متمثلاً بملايين المستغَلين من الفقراء والمفقرين، وقسم المستغِلين من أرباب العمل مالكي وسائل العمل· ويذكر التاريخ الاقتصادي أن نساء مدينة مانشستر في أواخر القرن التاسع عشر كُنَّ يعملن يومياً ثماني عشرة ساعة، كي يقمن مع رجالهن بسد ما قبل الحد الأدنى من حاجاتهن اليومية، وكان من شأن ذلك أن أوجد ردود فعل متنامية في أوساط المصلحين والدعاة الأخلاقيين وعلماء الاقتصاد والاجتماع والأخلاق،، ضد ذلك التيار من تدمير مجتمعاتهم، خصوصاً ما يتصل منها بالأسرة وبالقيم وبإنسانية الإنسان وكرامته· ونشأت في سياق ذلك دعوات وآراء ونظريات عمل أصحابها على تقديم حلول ما للموقف الملتهب، سواء انطلقت هذه الدعوات من الدين أو من علوم الاقتصاد والسياسة والأخلاق· وكان قد سبق هؤلاء جان جاك روسو الفرنسي (عاش من 1712 إلى 1778)؛ وكان فيلسوفاً ومنظراً تربوياً للثورة الفرنسية ومبشراً بها)· فكتب ''بحثاً حول اللامساواة بين الناس''، وأتبعه بعد سنوات بكتابه الشهير ''العقد الاجتماعي''· وأطلق فيها وفي غيرهما من أعماله دعوة حميمة إلى إعادة النظر في توزيع الثروة تحقيقاً لمبدأ ''المساواة الطبيعية''، وفي التنظيم المجتمعي السياسي عبر ''عقد اجتماعي'' يتم بين الناس، على نحو يحقق للجميع إمكانات المشاركة العادلة في الشؤون المجتمعية، إضافة إلى ذلك كان يدين التطور الاقتصادي الرأسمالي، الذي يسحق كل من يقف في وجهه، وربما دعا، ضمناً، للعودة إلى ''ما قبل النظام الرأسمالي الجامح''، حيث وجدت أشكال أولية للمساواة بين الناس· وجنباً إلى جنب مع سيل من الكتابات المناهضة للاستغلال الاقتصادي، كان هنالك من المفكرين والمصلحين من قدم أطروحات أخرى لحل مشكلات ذلك الاستغلال· وكان القس مالتوس الإنجليزي (من 1766 إلى 1834) أحد هؤلاء· أما الطرافة فيما قدمه، فقد أتى في كتابه الأساسي، الذي حمل عنوان ''بحث في قانون السكان''· في هذا الأخير قدم أطروحته الشهيرة حول علاقة النمو السكاني بالثروة الغذائية· وقد حدد مصدر فقر وإفقار أكثرية الفئات الاجتماعية ليس في العلاقات الاجتماعية الاقتصادية القائمة، وإنما في الأسباب الطبيعية؛ فأعلن أن نمو السكان يتم وفي سلسلة هندسية، في حين أن إنتاج الحاجات الغذائية يتم وفق سلسلة عددية، مما ينتج حالة من اللاتوازن بين الحالتين لصالح انفجارات سكانية مطردة، على عكس غذاء البشر، الذي يسير بوتائر متباطئة لا تفضي أبداً إلى توزيع عادل أو شبه عادل للغذاء بين الناس· ولما كان الأمر كذلك، فقد قدم مالتوس ما رآه حلاً للتناقض بين النمو السكاني والآخر الغذائي المعنيين، وهو إشعال حروب تقوم بمهمة تقليص النمو السكاني على نحو يستجيب لوتائر نمو الإنتاج الغذائي· وهكذا كان ما قدّمه القس، وملاحظ أنه - في ذلك - قدم مسوغاً لذوي الثروة والسلطة في إقناع الفقراء بشرعية الموت أولاً، وفي شرعية الحروب ثانياً· وبعد القس، جاء من الاقتصاديين من دفع آراءه إلى الإمام، حيث وصلوا إلى ما يقترب من شرعنة ''أكل لحوم البشر''، كي لا تتفاقم الإشكالية المعنية· وكان من هؤلاء الباحث الأميركي W.Vogt، الذي شَرَّع لفكرة أن الفقراء هم كذلك، أي فقراء لأسباب ''وراثية طبيعية''· لقد أتينا على هذه الفكرة، لنحطّ الرحال عند التقرير الذي أصدرته منظمة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة في 12 من هذا الشهر، وأعلنت فيه إن مليارين من البشر مهددون الآن بالجوع (وليس الفقر)· فمواد مثل الخبز والأرز ومنتجات الذرة والحليب والزيوت وبذور الصويا، تشهد منذ الشهرين الأخيرين ارتفاعاً حاداً خطيراً في ''بلدان العجز الغذائي'' في أفريقيا، وفي عدد من البلدان النامية، وذلك بنسب تُبشر بموت جماعي لمليارين من البشر، ما لم تحدث ''معجزة'' في الاقتصاد العالمي، وخصوصاً في بلدان الــ 80 بالمائة والعشرين بالمائة· ما يحدث تعبير عن أن أساطين المال في العالم، ومن ضمنه العالم العربي، حريصون على أن يكونوا الورثة الشرعيين للقس مالتوس ولما بعده تحت مصطلح ''المالتوسية الجديدة''· أية صرخة تستطيع، في هذه الحال، أن توقف اقتراب يوم قد يكون ''يوم القيامة'' للمُفقَرين المُذلين المُهانين، بتعبير دوستويفسكي! د· طيب تيزيني أستاذ الفلسفة - جامعة دمشق