خلال حياة المرء كصحافي، قد يرى مشهداً يجذب انتباهه، وهذا المشهد قد يكون مشجعاً من ناحية وقاسياً من ناحية أخرى في آن واحد، لدرجة تجعل من يشاهده عاجزاً عن توصيفه بدقة. وقد رأيت منظراً كهذا مؤخراً في كلية "نوتردام ميريلاند - بالتيمور" التي أُجري فيها سحب يختلف في الحقيقة عن كافة السحوبات التي رأيتها من قبل. فالفائزون في هذا السحب، لم يحصلوا على نقود كما هو معتاد في السحوبات العادية، وإنما حصلوا على تذكرة تفتح أمامهم أبواب الحياة السعيدة، بينما ترك الخاسرون يجترون مشاعر الإحباط. كان الحدث عبارة عن سحب لاختيار الثمانين طالباً الأوائل الذين سيدرسون في مدرسة داخلية عامة هي مدرسة SEED (ماريلاند- بالتيمور). وكان سبب حضوري هذه المناسبة، هو أن زوجتي عضو في مجلس إدارة مؤسسة SEED التي افتتحت أول مدرسة تنتمي إلى هذه السلسلة من المدارس منذ 10 سنوات، وكان ذلك في العاصمة واشنطن. كان الغرض من افتتاح هذه المدرسة آنذاك هو العمل كمدرسة داخلية عامة حضرية مؤهِلة للالتحاق بالجامعة، أما مدرسة بالتيمور فهي ثاني مدرسة يتم افتتاحها من هذا النوع، وأغلبية طلابها هم من الأميركيين الأفارقة الذين يتم اختيارهم من المدارس الواقعة في المناطق الأكثر حرماناً وعنفاً. وتسمح لوائح المدرسة للطلاب والطالبات بدخولها بدءاً من الفصل الدراسي السادس، حيث يعيشون في عنابر خاصة، تعزلهم عن نمط الحياة المضطرب السائد في مناطقهم الأصلية. ونظراً لأنها تتلقى تمويلاً من صناديق عامة وخاصة، فإن مدارس SEED قادرة على تقديم هذا النوع المتميز من التعليم، والذي يتم في فصول صغيرة الحجم، ويؤهل الطلاب للالتحاق بالجامعة مجاناً. وفي رأيي أن هذا النوع من التعليم يجب أن يكون مفتوحاً أمام كل من يتقدم ولا يقتصر فقط على الطلاب الذين تقوم الإدارة بانتقائهم، بيد أن إدارة المدارس ترد على اقتراحي بالقول إن هناك أعداداً كبيرة تتقدم للالتحاق، وليس هناك سوى عدد محدود من المقاعد ولا سبيل للانتقاء إلا من خلال نظام القرعة. وفي يوم إجراء القرعة تزدحم عائلات الطلاب الراغبين في التقدم داخل مسرح مدرسة نوتردام، ويتم وضع صندوق على خشبة المسرح، يشبه تلك الصناديق التي تجري بواسطتها عمليات السحب عادة. ويوضع بداخل الصندوق عدد من كرات البنج بونج التي تحمل كل واحدة في داخلها رقم السحب الخاص بكل طالب من الطلاب المتقدمين للالتحاق. وبعد ذلك يصعد أحد المتطوعين من ضمن الحاضرين إلى خشبة المسرح، ليقوم بتدوير ذراع يؤدي إلى دوران الصندوق المذكور على نفسه، حتى تخرج كرة واحدة من كرات البنج بونج الموجودة بداخله من إحدى الفتحات. وعندما تتم قراءة الرقم الذي تحمله بداخلها فإن ذلك عادة ما يكون مصحوبا بضجة هائلة من القاعة، وذلك عندما يصيح الطالب الذي تم سحب رقمه هو وأهله في فرحة غامرة للتعبير عن سعادتهم بالاختيار في حين يغوص باقي الجالسين قليلاً في مقاعدهم لأن هناك فرصة من الفرص المتاحة قد ضاعت، وهو ما يقلل بالتالي من احتمالات انضمامهم. كان من المستحيل مراقبة كل تلك الكرات، وهي تتقلب داخل القفص دون أن ألمح في نفس الوقت تعبيرات القلق الشديد التي ارتسمت على وجوه الطلاب الذين تحمل تلك الكرات أرقامهم في باطنها، وهم ينتظرون على أحر من الجمر معرفة رقم سعيد الحظ الذي ستدحرج كرته خارجة من الصندوق. "إنني أشعر بكثير من الأمل إزاء هذه المدرسة ومستقبلها، وهو ما يجعلني في ذات الوقت أشعر بقلق شديد حول مصائر الطلاب الذين لن يتمكنوا من الانضمام إليها"، هذا ما قاله "دون لويس" رئيس مدرسة SEED الذي يضيف أيضاً: "خلال الفترة التي استغرقتها العملية برمتها، سمعنا الكثير عن المشكلات التي كان هؤلاء الطلاب يواجهونها في مدارسهم السابقة، كما سمعنا أولياء الأمور يكررون على مسامعنا أن هذا النوع من المدارس الذي تنتمي إليه مدرستنا، هو الحل المناسب لتلك المشكلات التي يواجهونها، وهي أيضاً كل ما يحتاجه الطالب كي يكون ناجحاً. وعندما كنا نقوم باستكمال الطلبات، استلمنا رسائل كثيرة من الموجهين والمستشارين والمدرسين والنظار، بل ورعاة الكنائس، يقولون لنا فيها: نرجوكم أن تعفو هذا الطالب من نظام السحب لأنه بدون الالتحاق بهذه المدرسة فلا فرصة أمامه لمواصلة تعليمه". وتقول "كارول بك" مديرة مدرسة SEED والمسؤولة عن تطوير هذا النوع من المدارس: "إن هناك بعض من تم اختيارهم لم يكونوا حاضرين أثناء عملية السحب، وإن المدرسة قد أخطرت إحدى المستشارات في اليوم التالي بأسماء هؤلاء الطلاب فكان ردها: شكراً لكم، لقد أنقذتم حياة طالب". إن جميع الآباء والأمهات ممن يسكنون الأحياء الفقيرة في المدن، يرغبون دون شك في توفير فرصة لأبنائهم يتلقون من خلالها تعليماً يؤهلهم لحياة أفضل من الحياة التي عاشوا فيها. هناك بلا شك أسباب عديدة تدعونا إلى استكمال عملية بناء الأمم في العراق، مع القيام في الوقت ذاته باستئناف بناء أمتنا هنا في أميركا. مع ذلك هناك شيء مهم لا بد لي من ذكره في هذا السياق وهو أن هناك بالتأكيد خطأ ما، عندما يتوقف مستقبل طالب أميركي على مجرد رقم موضوع داخل كرة "بنج بونج".