يشكل المال أهمية كبيرة في حياة البشر ونشاط التعامل بينهم، أفراداً وجماعات ودولا. والمال هو وديعة أودعها الله بين يدي الإنسان بحكم خلافته في الأرض. إنه وسيلة وليس غاية في ذاته. ولأهميته، فقد ذكر لفظ المال في القرآن الكريم ستاً وثمانين مرة كدليل على العناية والاهتمام. والإنسان بطبيعته جُبل على حب المال، "وتحبون المال حباً جماً". ومن ينظر إلى الدراسات المنشورة حول المال والثروة في حياة الإنسان العربي، سيجد أن أغلبها يركز على صورة الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وتأثير المال في هذه الفوارق، أما المال في جانبه المتعلق بنفسية الإنسان العربي، فقد تم إهماله من حساب الباحثين والكتاب والمفكرين. لذلك فإن كتاب "سيكولوجية المال"، للدكتور أكرم زيدان، والذي صدر حديثاً ضمن سلسلة "عالم المعرفة" الكويتية، يعتبر من الدراسات المهمة في هذا المجال، وذلك لكونها الدراسة العربية الأولى في علم نفس المال، والتي تتناول هوس الثراء وأمراض الثروة، حيث يقدم لنا المؤلف من خلالها صورة جديدة للنظر إلى تكوين شخصية الإنسان من خلال المال، ويوضح لنا كيف أن المال ليس فقط مجرد ظاهرة اقتصادية بل هو أيضاًَ ظاهرة نفسية تؤثر في شخصية الإنسان، وهو مصدر من مصادر القوة والهيبة والسيطرة والشعور بالسعادة أو القلق والألم والخوف، وهو أحد أهم العوامل التي تتأثر بحركة التاريخ وتغيراته وتوجهاته وتقلباته. ويتساءل المؤلف: هل يؤدي المال إلى السعادة؟ هل هو خير أم شر؟ هل في مقدوره أن يغير من سماتنا وخصائصنا الشخصية؟ ما الدور الذي يؤديه في حياتنا النفسية والاجتماعية؟ هل الجرائم والآثام والحروب التي يرتكبها البشر هي بسبب المال؟ أسئلة كثيرة تشير إلى تغلغل تأثير المال في حياة الإنسان وتوجهاته، سواء نحو الخير أو نحو الشر. فبعض الناس قد يفهم الثروة على أنها مال الله في الأرض، وأنه (أي الانسان) مستخلف فيها فقط، وبذلك تصبح مصدر سعادة له وللآخرين. وبعض الناس ينظرون للمال كمصدر قوة لهم، فيعملون من خلال هذه الرؤية على التقرب من أصحاب القوة والنفوذ المالي، يستميلونهم بالنفاق والمداهنة والتملق. وفئة أخرى تتظاهر بالحب والإخلاص في العمل والانتماء وتحمل المسؤولية، رغبة منها في المال، وهؤلاء نجدهم في صورة الموظف الوصولي، حيث يضع البعض قدراتهم الذهنية موضع الاستغلال بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المال. ويتحول المال عند آخرين إلى حالة من الطمع والجشع والرشوة وخيانة الأمانة، يحتكرون السلع ويرفعون الأسعار للإثراء على حساب إفقار الناس واستغلال حاجات الضعفاء من البشر. وقد يستغل أحدهم المال لتكوين حزب سياسي ولشراء الأصوات ودخول البرلمان، وهناك يستغل سلطته في المنصب لمصلحته ولمصلحة تعظيم ثروته. وبعضهم يدفعه حب المال والاستزادة منه إلى اشعال الحروب وغزو الشعوب وذلك لتشغيل مصانع السلاح، فتزداد قدرته على استغلال الآخرين وسلب حريتهم. ولأن النظام القيمي في مجتمعاتنا رفع من القيم المادية والاستهلاكية وجعل المال هو القيمة الأعلى في أذهان كثير من الناس، فقد تراجعت الكثير من القيم الفاضلة التي تدعو الإنسان إلى فعل الخير، وظهرت قيم بديلة مهَّدت الأرض لسلوك طريق الرشوة والاحتيال والنصب وخيانة الأمانة... التي نراها اليوم متفشية، وهذا ما أظهرته بصفة خاصة مشاريع توظيف الأموال الوهمية، والتي تبتز ثروات الناس الفقراء حيث اندفع بعضهم إلى هذا السلوك لرغبتهم في امتلاك ما لا يستطيعون امتلاكه، فأصبح البعض من خلال هذا المسلك وهذا الطريق ينظر إلى أعمال الربا على أنها نوع من أنواع التجارة يطلقون عليه "استثمار الأموال"، وتزايد بذلك أصحاب المصالح والمرابون والراغبون في الكسب السريع، وظهر نوع جديد من أصحاب الديون وهم فئة لديها مال كثير لكنها تتجه إلى الدين الماكر لتجعله غطاءً لها حتى لا يطالبها المجتمع بالمشاركة في خدمته وحتى تحصل منه على أكبر قدر من الأموال، فهي فئة ليس لديها ولاء ولا انتماء، والناس حبها الأول والأخير للمال.