"إن المجتمع يسهم في تغييره الناس الذين لا ينخرطون عادة في مشاريع التغيير، في حين أن المجتمع يتغير بخلاف ما يريده له أصحاب المشاريع والنظريات أو النماذج" علي حرب.
تونس أيا خضرا يا حارق الأكباد غزلانك البيضا تصعب علي الصياد.
غزلان في المرسى والا في حلق الواد على الشطوط تعوم ما تخاف صيد الماي.
بعد النصف الأول من القرن الذي رحل تردد صدى هذه الكلمات الخارجة من نبض كل إنسان عربي كان يتوق إلى الحرية، كلمات صدح بها صوت الراحل فريد الأطرش ورددتها أفئدة وقلوب ملايين العرب وهتفت الحناجر للفكرة الأسطورية المتمثلة في بساط سحري سموه بساط الريح. بساط يحقق فكرة حلم لأمة عربية موحدة، إذ يجوب البساط الدول العربية التي تحررت من ربقة الاستعمار ليوحد بينها في الفكر والمشاعر والأهداف ويجمع شيبها وشبابها ونساءها تحت راية الوطن الواحد الممتد من طنجة إلى صلالة.
كان فريد الأطرش يعبر عن حلم أمة ويترجم بعضاً من توجهات الفكر القومي الذي أشعل فتيل جذوته الراحل الكبير الزعيم جمال عبدالناصر بفكره الوحدوي الناصري، وأنا هنا لا أدافع عن الناصرية والناصريين ولكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الناصرية منحت للعرب وللإنسان العربي شرعية الحديث عن إنسان ثائر على الظلم باحث عن الحرية ومدافع عن كل قيم العدالة الاجتماعية والسياسية والشعور بالقدرة على العطاء والبذل. لقد ارتكبت الناصرية الكثير من الأخطاء وما يشفع لها في ظل المصير الذي آلت إليه هذه الأمة أنها كانت فكرة قابلة للتطبيق نابعة من نبض الشارع متغلغلة في الوجدان والحراك اليومي لأبناء الطبقات المسحوقة والمحرومة. تلك الجباه السمر في مصر الكنانة أو اليمن السعيد أو جزائر المليون شهيد، الكل كان يهتف ليوم جديد وفجر وليد ويدحر الاستعمار بإرادة من حديد، وبدون ذلك الفكر الذي قاد الأمة ما كان بالإمكان بناء السد العالي وإسقاط هيبة المستعمر البغيض ونشر التعليم في أطراف الوطن العربي الكبير، حين حمل الرساليون الأوائل من أبناء مصر فكر القومية العربية وأوقدوا مشاعل النور لدحر الظلام وفتح مدارس العلم والأمل في دول الخليج واليمن وغيرها.
لم تكن رسالة فريد الأطرش إلا تعبيراً عن فكرة الحلم المرتقبة والتي صودرت تحت أحذية العسكر وتجار الفكر الظلامي وأذناب الاستعمار الذين عز عليهم أن يروا الإنسان العربي مرفوع الجبين عالي الهامة. غنى فريد حلمه في وحدة عربية يجمعها بساط سحري ومعه غنت ملايين القلوب بحثاً عن رمز يقودها إلى العتبة الأولى لهذا الحلم. لكن الحلم العربي كان كلوح زجاج حمل على الأكتاف وأفلت في وسط الطريق فتهشم وأصبح لحم الزجاج بعد الكسر يحتاج إلى ساحر أو مجنون. وما أكثر المجانين الذين أهدروا العمر والفرصة وهم يرددون شعارات الوحدة العربية والأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة وهم يسوقون خيرة شباب الأمة العربية إلى معارك وهمية وحروب عبثية ويهدرون مليارات الدولارات من أموال الأرامل والأيتام والمرضى لشراء أسلحة لا تصلح إلا للاستعراضات أو تباع لمصانع صهر الحديد لتحويلها إلى حديد تسليح تشيد به القصور والزنزانات. وتختنق الكلمة وتموت العبرة في صدر فريد الأطرش وهو يتابع وعلى الهواء مباشرة وصلات من الردح وسيل كلمات السباب بأقذر النعوت والتي يتم تبادلها في جلسات مؤتمرات القمة العربية بينما أنظار أكثر من 200 مليون عربي وعربية شاخصة معلقة بأجهزة التلفزيون تنتظر قرارات القمة وقرارات استعادة الأرض السليبة ودحر المستعمر وإعادة اللاجئين وجمعهم من الشتات وإعادتهم إلى بيوتهم بعيداً عن معسكرات الذل والهوان وخيام "الأنروا".
لاجئون لأكثر من نصف قرن ولاجئون آخرون في أوطانهم يحاولون فك الرمز ومعرفة السر في هذا التخلف المرعب والمخيف على كل الأصعدة. فنسب الأمية لا زالت تراوح في مكانها وبرامج التنمية مصممة أساساً كما يبدو لخدمة الحاشية والمقربين، والخدمات الصحية في تدهور لا يطاق، والمناهج التعليمية تحتاج إلى إعادة صياغة وتحديث وفق متطلبات الأمركة، والفكر المتطرف ينهش في جسد الأمة ويتحول وبوتيرة سريعة إلى وحش كاسر سوف يتمكن إن بقيت الأوضاع الاقتصادية والفقر على ما هي عليه من ابتلاع وتهديد كل المنجزات.
لقد استفادت كل الأفكار المتطرفة بغض النظر عن توجهاتها ومراميها والفكر الذي تنتمي إليه من حالة التدهور الحادة في الحالة السياسية العربية وانعكاسات هذا التدهور على الحالة الاقتصادية للفرد العربي الذي ألفى عاملاً أو مستخدماً في مصنع إيطالي أو مخبز فرنسي أو مصنع أحذية إنجليزي شاعراً بالرضى متمتعاً بالأمن والأمان. كان الاثنين موعداً مع الانعقاد المرتقب للقمة العربية التي يأتي انعقادها في ظرف تاريخي حساس ومفصلي إذ تتعرض هذه الأمة ويتعرض مستقبلها لأصعب-إن لم نقل أهم- اختبار وتجربة سوف تحدد فكرة البقاء أو الفناء. وتأتي القمة بعد أن تحولت دولة عربية ذات ثقل سياسي واقتصادي كبير إلى دولة مستعمرة. استعمار جديد طرحا وأسلوباً لكنه تقليدي فكراً وتوج