تاريخ أميركا: نشر الحرية وإعمال القهر!
في عام 1945 كتب رئيس الوزراء البريطاني "وينستون تشرشل" واصفاً أميركا بقوله "إن الولايات المتحدة تقف في هذه اللحظة على ذُرى العالم، وإني مبتهج لذلك، فدعوهم يتصرفون بقدر قوتهم ومسؤولياتهم، ليس من أجلهم، بل من أجل الآخرين، من أجل جميع البشر أينما كانوا. وحينها قد يشرق فجر يوم جديد على التاريخ الإنساني". الواقع أن تلك كانت إحدى المرات القليلة، والبعيدة في الزمن، التي يعترف فيها رجل دولة بثقل ومكانة "تشرشل" بالدور الإيجابي لأميركا ومسؤوليتها القيادية في العالم. فبعد ذلك ستنفرط حبات السبحة الأميركية وستغرق في سياسات خارجية يشهد العالم كله أنها أكثر زعزعة لاستقراره من دفاعها عن أمنه وحرياته.
ويأتي الكتاب الذي نعرضه هنا بعنوان "سفينة الحريات: أميركا والعالم"، لمؤلفه "تيد ويدمير"، كاتب خطب الرئيس "بيل كلينتون"، كمحاولة لإرجاع بعض البريق الضائع للسياسة الأميركية، من خلال دعوته الأميركيين لاستعادة سلطتهم الأخلاقية ومبادئهم التأسيسية. فالكاتب ينطلق من البدايات وتحديداً من التصورات التبشيرية التي صاحبت نشوء أميركا باعتبارها السراج المنير الذي جاء ليضيء طريق العالم نحو الحرية والقيم المثلى. هذه المبادئ التي تبناها المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة اعتبرت في مرحلة من المراحل سمات خص بها الله الأميركيين وانتدبهم دون سواهم لنشرها والدفاع عنها. لكن الكاتب يشترك مع مجموعة من المراقبين للشأن الأميركي في القول بأن السياسة الخارجية الأميركية هي أبعد ما تكون اليوم عن تلك المبادئ وإنها تعاني من تناقضات حادة تهدد مصداقيتها على الساحة الدولية. فإذا كان بعض الكتاب مثل "والتر راسل ميد" يثني على مبادئ الواقعية الحذرة ومواقف ضبط النفس وعدم الانجرار إلى الحروب التي ميزت بعض فترات التاريخ الأميركي باعتبارها نموذجاً حياً لعلاقاتها الخارجية الناجحة، فإن هناك كتاباً آخرين، مثل "روبرت كاجان"، يدافعون عن سياسة خارجية أكثر انفراداً بالشؤون الدولية، وأكثر استعراضاً للقوة العسكرية.
أما "ويدمير" فيتخذ موقفاً وسطاً يجعله يختلف مع كل من يتبنى نظرة مثالية للسياسة الخارجية، معتبراً أن التاريخ الأميركي لم يكن دائماً ناصعاً، بل تخللته حروب طاحنة، ومنتقداً أيضاً التقاعس عن مناصرة الحرية والتمترس وراء مواقف انعزالية لا تخدم أحداً. غير أن الكاتب يتخذ موقفاً منتقداً أيضاً تجاه "كاجان" وأمثاله، معتبراً أن ما حرك السياسة الخارجية الأميركية العنيفة في أحيان كثيرة لم يكن البحث عن المغانم المادية بقدر ما كان رؤية دفينة في الوعي الأميركي ترجع إلى الحركات الدينية البروتستانتية التي استوطنت أميركا وتبنت رؤية تبشيرية تجاه العالم. ويلاحظ الكاتب من خلال تتبعه لتاريخ أميركا وسياستها الخارجية أنها كانت دائماً تتأرجح بين اعتناق المبادئ التي قامت عليها، والمتمثلة في الدفاع عن الحرية، وبين خيانة تلك المبادئ والانقلاب عليها كما حدث في فترات وأحداث لطخت التاريخ الأميركي.
ولعل العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه ينضح بروح المفارقة والتناقض، حيث استعار "سفينة الحرية" من رواية للكاتب الأميركي "هيرمان ميلفيل" انتقد فيها الأجواء السائدة في إحدى السفن الأميركية. ففي الوقت الذي أخذت السفينة على عاتقها إيصال الحرية إلى أصقاع الأرض البعيدة والتبشير بها أينما حلت، عانى البحارة أنفسهم من اضطهاد رهيب وقمع شديد أذاقه لهم قبطان السفينة، في تناقض واضح بين الرسالة النبيلة وطريقة تبليغها. بيد أن الفترات الأولى من التاريخ الأميركي التي ازدهرت فيها الحرية داخلياً على عهد الرئيس "بنيامين فرانكلين"، سرعان ما تحولت إلى محاولة لنشر الحرية في الخارج. والحقيقة أن ذلك لم يكن ليطرح أدنى مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة ولو لم يرافق ذلك انفصام رصده المؤلف بين المبادئ المعلنة والمواقف الميدانية.
فالبلد الذي أعلن أن جميع البشر خلقوا سواسية وتبنى عقيدة "مونرو" للدفاع عن الديمقراطية في أميركا اللاتينية، هو نفسه الذي اجتاح عسكرياً جارته المكسيك التي كانت قد خرجت لتوها من الاحتلال الإسباني واستطاع التخلص من نير العبودية، كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى تأبيد نظام الرق في جنوبها. بل يتعقب الكاتب مسيرة طويلة من جنوح السفينة الأميركية وانحرافها عن الغايات المنشودة، كما حدث عقب حربها على المكسيك. وقد بلغ التناقض الأميركي في تلك الفترة مبلغه إلى درجة وصفها المؤلف بقوله إنها كانت "أسوأ سياسة خارجية في تاريخ الولايات المتحدة". ولا غرو فقد حفلت خمسينيات القرن التاسع عشر بالمخططات الأميركية الرامية إلى غزو كوبا وأجزاء من كاليفورنيا وأميركا الوسطى، فضلاً عن الجزر المتناثرة في بحار العالم... وساءت الأمور أكثر عندما اندلعت الحرب الأميركية الإسبانية في عام 1898 لتتحول الولايات المتحدة من بلد صارع هو نفسه للانعتاق من الاحتلال البريطاني إلى دولة تحركها تطلعات إمبراطورية.
ويدور التاريخ دورته ليبرز الرئيس "روزفلت"، بطل الكتاب، الذي استغل إلى جانب خلفه "هاري ترومان" الوضع الدولي المستجد بعد الحرب العالمية الثانية لتشجيع إعلان حقوق الإنسان العالمي عام 1948، كما شهدت تلك السنوات استحداث شبكة من المؤسسات الدولية؛ مثل الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليين. لكن، كما يقول الكاتب، سرعان ما تحولت تلك المؤسسات الدولية التي ساعدت الولايات المتحدة على انبثاقها، إلى أدوات عاجزة عن الحركة، ولتفقد أميركا شرعيتها الدولية وتتراجع دبلوماسيتها إلى مستويات غير مسبوقة.
زهير الكساب
الكتاب: سفينة الحريات: أميركا والعالم
المؤلف: تيد ويدمير
الناشر: هيل أند وانج
تاريخ النشر: يونيو 2008