السرطان... ونسب "النجاة"
هل تشهد حالات الإصابة بالسرطان حول العالم تزايداً في معدلاتها؟ إجابة هذا السؤال هي "نعم"، بشكل مطلق، وبشكل نسبي أيضاً. فعلى الصعيد المطلق، يتوقع لحالات السرطان السنوية أن تزداد من 11.3 مليون عام 2007 إلى 15.5 مليون بحلول عام 2030. وهذه الفترة ستشهد أيضاً زيادة مخيفة في حجم الوفيات الناتجة عن السرطان، من 7.9 مليون حاليّاً إلى 11.5 مليون بحلول عام 2030، وهو ما يشكل زيادة بمقدار 45%. وهذه الزيادة المطلقة مردها إلى عدة أسباب، منها ارتفاع متوسط أعمار أفراد الجنس البشري بوجه عام، حيث تزداد احتمالات الإصابة بالسرطان بالتقدم في العمر. ومن الأسباب الأخرى التي تفسر الزيادة المطلقة المتوقعة في حالات الأمراض السرطانية، انتشار أنماط الحياة غير الصحية، المتمثلة في السمنة، وقلة الحركة والنشاط البدني، والتدخين، والإفراط في تناول الكحوليات، والتعرض لأشعة الشمس لفترات طويلة. وتلعب بعض الأمراض المُعدية المزمنة دوراً مهماً أيضاً في الإصابة بالأمراض السرطانية، مثل التهاب الكبد الفيروسي (B) الذي يزيد من احتمالات الإصابة بسرطان الكبد، أو فيروس الثآليل الجنسية (HPV) الذي يزيد من احتمالات الإصابة بسرطان عنق الرحم. ولا يمكن طبعاً تجاهل دور تلوث مياه الشرب، والغذاء، والهواء، في إحداث زيادة في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية. ومن بين هذه الأسباب جميعها، يعتبر التدخين أهم عوامل الخطر المسببة للإصابة بالسرطان، حيث يسبب 1.8 مليون إصابة سنويّاً، بينما يتسبب سرطان الرئة الناتج غالباً عن التدخين، في أكبر عدد من الوفيات مقارنة بأنواع السرطان الأخرى. وهذه العوامل مجتمعة أدت إلى احتلال الوفيات بسبب الأمراض السرطانية المرتبة الثانية بعد أمراض القلب والشرايين على قائمة أسباب الوفيات في الكثير من الدول.
هذا على الصعيد المطلق. أما النسبي فيؤمن البعض بأن تطور أساليب التشخيص، وارتفاع مستويات الرعاية الصحية في العديد من دول العالم، مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عقود أو أعوام قليلة، أصبح مسؤولاً بشكل غير مباشر عن زيادة عدد الحالات التي يتم تشخيصها. فقبل زمن ليس بالبعيد، كانت العديد من حالات السرطان تشخص خطأ بسبب الافتقار لأجهزة التشخيص الحديثة المتوفرة حالياً. وأحياناً أخرى كان الكثير من الحالات لا يشخص أصلاً، بسبب فقر المريض، أو نتيجة تخلف وتداعي الرعاية الصحية في البلد الذي يقطنه. وهذا الأثر لبلد الإقامة لا ينعكس فقط على معدلات الإصابة، بل يمتد أيضاً إلى احتمالات الوفاة بسبب المرض. فحسب دراسة نشرت هذا الأسبوع في إحدى الدوريات الطبية المتخصصة (Lancet Oncology)، ظهر وجود تباين هائل في احتمالات النجاة من نفس نوع المرض السرطاني، بين دولة وأخرى. وهي دراسة شارك فيها أكثر من 100 طبيب واستشاري في الأمراض السرطانية من إحدى وثلاثين دولة من مختلف دول العالم، تحت إشراف علماء من جامعة بريطانية مرموقة (London School of Hygiene and tropical Medicine)، وقامت بتحليل وتمحيص بيانات ومعلومات أكثر من مليوني مريض أصيبوا بالسرطان خلال عقد التسعينيات. وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا، وفرنسا، واليابان، سجلت أعلى معدلات للبقاء على قيد الحياة بعد خمس سنوات من تشخيص الإصابة بالسرطان، بينما سجلت دولة عربية أفريقية أسوأ المعدلات على الإطلاق، إلى درجة أن الرجل الأميركي المصاب بسرطان البروستاتا مثلاً، تبلغ احتمالات بقائه على قيد الحياة بعد خمس سنوات من تشخيص إصابته بالمرض، أربعة أضعاف احتمالات بقاء شقيقنا العربي على قيد الحياة. أما الرجل الياباني، إذا ما أصيب بسرطان القولون، فتبلغ احتمالات بقائه على قيد الحياة بعد خمس سنوات من إصابته بالمرض، ستة أضعاف احتمالات بقاء شقيقنا العربي.
وهذا التباين الهائل في معدلات النجاة عند الإصابة بمرض سرطاني، يرتبط بشكل وثيق بمعدلات الإنفاق الإجمالي على الرعاية الصحية في كل من تلك الدول. فالولايات المتحدة، التي سجلت أفضل نتيجة على الإطلاق، تنفق 13% من إجمالي الدخل القومي السنوي على الرعاية الصحية. بينما تنفق الدول الأخرى التي حققت معدلات جيدة أيضاً، ما يزيد على 9% من إجمالي الدخل القومي السنوي على الرعاية الصحية. ولكن إذا ما انخفضت هذه النسبة مثلاً إلى 7%، فسنجد أن احتمالات النجاة تنخفض بشكل كبير، كما هو الحال مع بريطانيا التي سجلت معدلات منخفضة. أما في البلد العربي المذكور، فتنخفض نسبة ما ينفق من الدخل القومي السنوي على الرعاية الصحية إلى 4% فقط، وهو ما يفسر تدهور احتمالات النجاة من الأمراض السرطانية بين سكان ذلك البلد إلى القاع. ولكن في ظل ما تعرضنا له في بداية المقال، من انتشار تزايد الأمراض السرطانية، على الصعيدين المطلق والنسبي، فهل ينبغي إنفاق المزيد والمزيد من الدخل القومي السنوي على تشخيص وعلاج هذه الأمراض، باستخدام تقنيات وأجهزة حديثة، غالباً ما تكون باهظة التكاليف؟ إجابة هذا السؤال في رأي الكثير من الخبراء هي النفي. فعلى رغم ضرورة استمرار الاستثمار في مثل تلك الأساليب، فلابد أيضاً من توجيه جزء أكبر من ميزانيات الرعاية الصحية نحو أساليب الوقاية. حيث تظهر الدراسات العلمية بشكل قاطع، أن 40% من جميع الإصابات بالأمراض السرطانية من الممكن تجنبها، من خلال الامتناع عن التدخين، وتناول غذاء صحي متوازن، وممارسة النشاط البدني بشكل كافٍ، وتجنب الأمراض المُعدية المزمنة التي تسبب السرطان. وتطبيق مثل هذه الإجراءات، لا يتطلب جزءاً ولو يسيراً من التكلفة التي يتطلبها تشخيص وعلاج الأمراض السرطانية، كما أنه يحقق نسبة نجاة تبلغ 100% من خلال منع حدوث الإصابة بالمرض من الأساس.
د. أكمل عبد الحكيم