خلال زيارتي الأخيرة لأفغانستان، تم تذكيري بمبادئ مكافحة التمرد الثلاثة "نظف.. سيطر... وابن"، وهي التي تترجم في لغة البنك الدولي إلى "بسط الأمن والحكم والتنمية". وكما أوضحت التجربة العراقية، فإن من يتحمل المسؤولية عن هذه المبادئ، لا يقل أهمية عن المبادئ نفسها. والمقصود بهذا أن المسؤولية الوطنية المحلية، هي مفتاح الشرعية والفعالية في صيانة هذه المبادئ وتطبيقها. وقد تمكنت أفغانستان من إنجاز الكثير خلال السنوات الست الماضية. فعلى رغم تواضع القدرات، تمكنت قوة القيادة في وزارات الصحة العامة والتعليم وإعادة إعمار الريف الأفغاني من إحداث تحول ملموس في البلاد. وعلى سبيل المثال، استطاعت وزارة الصحة التي تسند الكثير من خدماتها وأعمالها للمنظمات غير الحكومية خفض نسبة الوفيات بين صغار الأطفال بمعدل 26%، ما يعني إنقاذها لحياة 80 ألف طفل أفغاني سنوياً من الموت. وفي الجانب التعليمي فتحت المدارس الجديدة فصولها لـ6 ملايين طالب وطالبة أفغانيين، وهو أعلى معدل تعليمي في تاريخ البلاد على الإطلاق، مع ملاحظة أن ما يزيد على 35% من هؤلاء الطلاب من البنات اللائي كانت تقل نسبتهن في القطاع التعليمي عن 5% عام 2001. أما في مجال إعادة إعمار الريف الأفغاني، فيمكن القول إن ما يقارب نصف المليون أفغاني من سكان الريف قد استفادوا بصورة أو أخرى من خدمات التمويل الصغير المحدود المقدمة للمواطنين. وفي الوقت نفسه مكّن "برنامج التضامن الوطني" الذي كان البنك الدولي قد ساعد في إنشائه مع وزير المالية السابق أشرف غاني في عام 2003، ما يزيد على 20 ألف مجلس من مجالس التنمية المجتمعية المنتخبة من توفير منح معقولة ومتواضعة لتمويل الأولويات التنموية المحلية مثل مولدات الكهرباء المائية، المدارس، بناء الطرق، مشروعات الري والإمداد المائي. وقد تركت هذه البرامج أثراً ملموساً على حياة ما يزيد على 17 مليون أفغاني في شتى محافظات البلاد البالغ عددها 34 محافظة، بينما تقدر العائدات الاقتصادية لهذه البرامج بحوالي 20% سنوياً. ويربط برنامج التضامن الوطني المذكور بين مبدأي مساعدة الذات والعزم الذاتي. لكن وعلى رغم ما أحرز من تقدم في هذه الجبهات، تظل المخاطر محيطة بالانتخابات العامة المقبلة المقرر عقدها في عام 2009. فالملاحظ أن أسعار الغذاء تواصل ارتفاعها، بينما تحيط الشكوك بتوفر الغذاء اللازم لموسم الشتاء المقبل. وإلى جانب هذه المشكلة، يشير مقتل 10 جنود فرنسيين خلال الأسبوع الماضي، إلى جانب مصرع ما يزيد على ستة جنود آخرين من قوات "الناتو" في هجمات لمتمردي حركة "طالبان"، إلى تراجع أمني في أفغانستان. وفي الوقت نفسه، تؤثر ممارسات الفساد-المرتبطة أحياناً بتجارة المخدرات- سلباً على شرعية الحكومة وعلى التنمية الاقتصادية، بما يؤدي إلى خلق دائرة شريرة ناشئة عن تمرير المانحين ثلثي معوناتهم المخصصة لأفغانستان بعيداً عن القنوات الحكومية مخافة التزوير وممارسات الفساد الحكومي، ما يعني عجز الحكومة عن توظيف ميزانيتها في تنظيم جهد وطني عام على امتداد البلاد كلها، وبناء مؤسسات الحكم الديمقراطي التي هي في أشد الحاجة إليها. وفي المناطق التي ينطلق منها التمرد الطالباني- التي يرجح أنها الملاذات الآمنة المتوفرة للحركة في الشريط الحدودي المشترك بين أفغانستان وباكستان- فإنه ليس من سبيل لسكان تلك المناطق إلا البقاء حبيسي القفص السياسي الذي تفرضه عليهم حركة "طالبان". وليس في هذا ثمة غرابة في دولة شهدت 25 عاماً من الحروب المتصلة. وليس في مقدور "طالبان" تحقيق النصر السياسي الذي يمكنها من استعادة سلطتها في كابول، بسبب رفض الأفغان العيش تحت نظامها القمعي الباطش، إلا أنه في وسع حكومة كابول الديمقراطية أن تخسر ما حققته من تقدم في بناء الديمقراطية. وللحيلولة دون حدوث هذا، من المرجح أن تبعث الولايات المتحدة الأميركية وشركاؤها بالمزيد من التعزيزات العسكرية لأفغانستان. وإذا ما أضيفت هذه التعزيزات إلى قوات الجيش الأفغاني التي ازداد عددها وارتفعت قدراتها القتالية والميدانية، فإن من شأن ذلك أن يساعد في تحسين الأمن. لكن وكما قال لي أحد ضباط حلف "الناتو" في أفغانستان، فإن الوضع هنا لا ينحصر في مجرد الاستمرار في قتل الأشرار، طالما أن أعدادهم ستواصل ارتفاعها تحت كل الأحوال. والمطلوب إذاً هو ربط الجانب الأمني بتعزيز وتحسين مستوى أداء الحكم المحلي، جنباً إلى جنب التنمية. على أنه يستحيل على القوات الأجنبية وشركاء التنمية الأفغانية إحراز النجاح دون توفر قيادة أفغانية قوية وفاعلة. وفي وسع الحكومة الأفغانية أن تتعلم مما تحقق من نجاح والبناء عليه. والخطوة البديهية التالية التي ينبغي للحكومة اتخاذها هي القطاع الزراعي، حيث يمكن لفريق أفغاني فاعل ونشط أن يواجه مشكلة ارتفاع أسعار الغذاء بطرح مشروعات الري الصغيرة وتوفير الائتمانات المالية الزراعية وتحسين خدمات المستودعات، إضافة إلى رفع كفاءة المبيدات الحشرية والأسمدة بما يساعد على رفع وتحسين مستوى الإنتاج الزراعي. وفي الوقت نفسه يوفر قطاعا التعدين والطاقة عدداً من الفرص، بما فيها فرص الاستثمار مع الصين، التي تبدي حرصاً على استقرار ونجاح أفغانستان، تماماً مثلما يطمح حلف "الناتو". ولا يزال على كابول أن تقرر ما إذا كانت لا تزال راغبة في أن يواصل البنك الدولي تمويله لبرنامج التضامن الوطني، إلى جانب رفع كفاءة أداء مجالس التنمية المجتمعية المساعدة على تحسين مستوى الترابط المحلي بين المواطنين، وما إذا كانت كابول ستستخدم هذا البرنامج مدخلاً اقتصادياً لإدارة عملية تنموية أوسع نطاقاً في أفغانستان. وليكن السبيل لتعزيز التجربة الديمقراطية هناك، تعميق الترابط ما بين الحكم والتنمية في المناطق التي تحقق فيها استقرار أمني معقول. وفوق ذلك، فإن نجاح التجربة الأفغانية يعتمد إلى حد ما على الترتيبات الإقليمية التي تقلل من تدخلات جيرانها في شؤونها الداخلية، بقدر ما يعتمد على قدرتها على مكافحة تجارة المخدرات. وهذا ما علمتنا إياه التجربة الكولومبية، إذ يستحيل الدمج بين الشرعية وتجارة المخدرات. روبرت زوليك رئيس البنك الدولي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"