موت الطبيب!
من المفارقات العجيبة أن يموت الطبيب بالمرض الذي كان يعالج منه مرضاه، و"ميشيل دبغي" عبقري جراحة القلب والأوعية مات بالعلة التي طالما عالجها، وهي المرض الذي أخذ اسمه من انشقاق جدار الشريان الأعظم في البدن. وهذا المرض قاتل إن ترك، وشبه قاتل إن عولج!
من العجيب إذن أن الأطباء الذين يعالجون عللاً بذاتها، قد يصابوا بنفس الداء والعلة... إنه أمر غريب ويتكرر عند أطباء كثر، إذ كم من طبيب أمراض قلبية يموت محتشياً بقلبه، وجراح أوعية يموت بإصابة وعائية، وجراح صدر مهمته استئصال سرطانات الرئة، لكنه يكتشف متأخراً أنه مصاب بورم خبيث منتشر غير قابل للاستئصال، أو طبيب سموم يتسمم، أو دكتور كلية يموت بفشل كلوي، أو طبيب علاج نفسي، ينتهي في آخر حياته إلى المصحة بسبب احتياجه إلى "تزبيط" عقله بعد أن كان يصحح عقول الآخرين..!
و"دبغي"، اللبناني الأصل، ممن فر والده من جحيم الشرق وكوارثه إلى لويزيانا في أميركا، وكما ينبت الغصن الرطب في التربة الجيدة، كذلك كان هذا الرجل. فقد مارس الجراحة، وبقي يمارسها حتى أصبح عمره قرناً، بشغف ومتعة واقتدار. عظة للكسالى وكسراً لجبروت الشيخوخة وإطباقها، بحيث يصبح تعريف الشيخوخة هو: ما تحس به، وليس عدد سنوات عمرك!
الكاتب الساخر "برنارد شو"، والهولندي "ليفنهوك" مخترع الميكروسكوب، والفلكي البولندي "نيكولاوس كوبرنيكوس"، والبيولوجي "داروين"، ومكتشف النموذج الذري "نيلز بور"، والعثماني "المهندس سنان"، والرسام الأسباني "بيكاسو"، وعبقري الفيزياء "جون ويلر"، و"علي الطنطاوي"، و"ناصر الدين الألباني"... كل هؤلاء عاشوا عمراً مديداً بصحة وافرة ونشاط جم وسعادة غامرة لا يكدرها حزن أو تخالطها شيخوخة أو يقاربها غم... إلى آخر لحظة من حياتهم.
فـ"كوبرنيكوس" اكتحلت عيناه على فراش الموت بكتابه وقد طبع في نورمبرج، ويتناول النظام الشمسي الذي هدم الكنيسة وعرشها.
و"سنان" تزوج وأنجب في الثمانين. وبيكاسو اقترن بزوجته الرابعة الشابة وهو في الثمانين أيضاً. وتجاوز "ويلر" عامه التسعين قبل أن يضع رأسه في الغرم، وهو من قال بوجود عوالم متعددة، وبمضاد المادة والأوتار الفائقة، وشارك في بناء أعتى الأسلحة النووية.
وبقي "ليفنهوك" يكتشف الكائنات الدقيقة، ليكتشف الحيوانات المنوية، وذلك بمجهر صغير يضعه أمام مقلته!
ونحن حالياً نبصر الملكوت السفلي بمكبر إلكتروني بقوة تضاعف 200 ألف مرة ما كان عليه الحال أيام ليفنهوك.
وصاحبنا ميشيل دبغي الذي عمر قرناً وعاش دهراً وأنتج تراثاً وقلب أفكاراً وطور طرقاً واخترع أدوات وشق الطريق إلى علم كامل، ودفع جراحة الأوعية الدموية من عتبة إلى عتبة، فهو من طور نظام "البايباس" (تحويل ووصلات ما بين الأوعية المصابة).
ويروى عنه أنه أنجز في حياته، التي امتدت نحو مائة عام، ستين ألف عملية وألفاً وخمسمائة ورقة بحث علمي، وأصدر مجلة خاصة بفن جراحة الأوعية الدموية، فضلاً عن العديد من الكتب، أهمها كتابان ختمهما قبل موته وهو في المعمعة، فأنتج عسلاً سائغاً للشاربين بعنوان "القلب الحي" (Living Heart) و"حمية القلب الحي" (Living heart diet).
وكان مركز عمله من الصرامة والنظام، بدرجة تخجل منها ثكنات الأنظمة الثورية، حيث يحبس الطبيب المقيم الذي يبدأ تدريبه فيها بدون مغادرة مدة شهرين كاملين في دورة انضباط، يزوره أهله مرة في الأسبوع مدة ساعة، ويبدأ عمله في غرف العمليات الجراحية منذ الفجر حتى منتصف الليل، حيث يقع الجميع إعياءً وإنتاجاً.
كل ذلك بمعدل عمل يزيد عن 1800 ساعة في السنة، بما نخجل نحن منه، ولم ينجزه أحد من قبل ولا من بعد، حتى من الصينيين الدؤوبين أو اليابانيين الصامدين أو الطليان والأوربيين المثابرين!