رن جرس الهاتف في بيته ليلة من شهر مارس عام 1949. رفع السماعة فإذا بمتحدث يقول له من الطرف الآخر للخط الهاتفي: انتظر، فالرفيق جوزيف ستالين يود محادثتك! كان ذلك هو المؤلف الموسيقي الروسي العظيم دميتري شوستاكوفيتش. أما ما أراد أن يقوله له جوزيف ستالين فله صلة بدهشة الزعيم صاحب القبضة الفولاذية الفظة، إزاء رفض الموسيقار الاستجابة لدعوة وجهت إليه للذهاب إلى نيويورك للمشاركة في مؤتمر ثقافي نظم هناك عن السلام. فماذا كان رد الموسيقار؟ إنني مصاب بالغثيان!
بادر الزعيم ستالين إلى القول فورا: عليك بزيارة الطبيب في الحال. عندها أطبق صمت موحٍ على الخط الهاتفي من الجانبين، وكان الموسيقار لحظتها يرد حالة الغثيان التي تسيطر عليه، ليس إلى أعراض بدنية فيزيولوجية كما تبادر للزعيم، وإنما لكون أعماله الموسيقية وكذلك أعمال كبار زملائه الموسيقيين من قامة سيرجيي بروكوفيف وأرام خاتشوتيريان وغيرهما، لم تعرض ولم يستمع إليها معجبوهم وجمهورهم على مدى أكثر من عام كامل. فأي مشاركة له في مهرجان للسلام، وهو يعيش في بلاده مهرجانا من التجاهل والنسيان، هو وخيرة زملائه من كبار الموسيقيين والموهوبين؟!
وما أن علم ستالين بحقيقة "قرف" الموسيقار، حتى رد بأنه لا يدري أن شوستاكوفيتش وزملاءه قد طالتهم يد الرقابة، ووعده بضرورة "تصحيح" موقف الرفاق الذين أصدروا تلك الأوامر الخاطئة. وفي اليوم التالي مباشرة، وقعت عقوبات رادعة على من أصدروا الأوامر، وسافر شوستاكوفيتش بالفعل إلى نيويورك ليلحق بمؤتمر السلام الثقافي.
صحيح أن مؤلف هذا الكتاب، سولومون فولكوف يستخدم شخصية شوستاكوفيتش كموضوع واسع يلتقط منه خيوط حبكة قصته هذه. ولكنه لا يقصر الموضوع العام على شوستاكوفيتش بحد ذاته، بقدر ما يرمي إلى تصوير مأساة الفنان الموهوب، عندما يحتم عليه قدره أن يمارس موهبته وإبداعه في ظل هيمنة طاغية وديكتاتور مستبد متقلب الأهواء والمزاج، مثلما كان عليه حال جوزيف ستالين. ولئن كان شوستاكوفيتش قد قيض له أن يفلت من عقوبات ووحشية ذلك القائد الحديدي الصارم، فما كان ذلك إلا لأن الطاغية رأى أن من مصلحته أن يكون تحت تصرفه فنان موهوب مثلما هو حال شوستاكوفيتش. ولكن تبقى العلاقة بين الاستبداد والإبداع، علاقة تنافر كتلك التي بين المطر و"الحراز". وهذا الأخير نوع نادر من الأشجار السودانية الإفريقية التي تجف وتكتئب في موسم الخريف وحده، دون بقية المواسم الأخرى!
كان الكاتب فولكوف نفسه قد نشر كتابا يحمل عنوان "الشهادة" عقب وفاة الموسيقار الروسي شوستاكوفيتش مباشرة، زعم فيه أنه يقوم أساسا على ذكريات الموسيقار نفسه وعلاقته المعذبة المرهقة مع النظام الستاليني الصارم القسمات والروح. وكان طبيعيا أن تثار ضجة كبيرة في الأوساط النقدية حول مدى صحة ومصداقية ما نسبه المؤلف من أقوال على لسان الموسيقار الراحل، لكونه المرجع الوحيد لقياس صحتها ومصداقيتها. وقد استمر ذلك الجدل لعدة سنوات، حتى ظهر كتاب آخر في عام 1999، من تأليف لوريل إي. فاي، تحت عنوان "شوستاكوفيتش: سيرة حياة". وقد عد الباحثون والنقاد والمتخصصون في دارسة الأدب، الكتاب الأخير بمثابة حجة دامغة ضد أية مزاعم أو ادعاءات حول مصداقية ما ورد على لسان الموسيقار، نقلا عن رواية فولكوف. بالقدر ذاته فقد كان نشر الدراسة المعنونة:"شوستاكوفيتش 1906-1973" مثيرا للجدل بدرجة أكبر من تلك الأولى التي نشرها فولكوف. والسبب هو أن فولكوف هو من أعد الدراسة الأخيرة أيضا.
في هذه المرة ادعى الكاتب أن "أوبرا السيدة ماكبث" التي ألفها شوستاكوفيتش في عام 1934 لم تفلت من مقص الرقيب الثقافي إلا نتيجة لتحايل الموسيقار على السلطة السياسية والتذاكي عليها والالتفاف عليها موسيقيا حين يقع تحت وطأة ضغوطها القاسية التي لا ترحم. كيف؟ كان جوزيف ستالين قد طالب وقتها أن يودع شوستاكوفيتش أعماله الموسيقية- سيما تلك الأوبرالية والموضوعة لرقصات الباليه- لمقص الرقيب حتى يجيزها بعد أن مرت العاصفة السياسية الحادة التي أثارتها "أوبرا السيدة ماكبث" نتيجة لتضميناتها السياسية التي لا تخلو من هجائية رمزية للقهر السياسي، والصعود الدموي إلى سدة الحكم، والدوس على الخصوم والمنافسين دون شفقة أو رحمة. فقد كان ذلك العمل يشير من طرف خفي إلى بعض من الفصول الدرامية الدامية التي شهدتها روسيا الثورة، بل روسيا ستالين على وجه الدقة والتحديد.
ماذا فعل الموسيقار، ومقص الرقيب كان يتربص به ولأعماله بالمرصاد؟ قال ستالين إن على شوستاكوفيتش أن يقدم أعماله المشار إليها آنفا للرقابة كي تجيزها. حسنا أيها القائد العظيم... فقد صمت من اليوم فصاعدا، عن تأليف الأوبرا وموسيقى الباليه، فهل ارتحت؟ لم يقل شوستاكوفيتش هذا صراحة، إلا أنه فعل، وكان الفعل أقوى وأوقع دلالة من كل الألفاظ! هكذا يستطيع الفن أن يبتكر وسائل مقاومته الخاصة لعسف السلطة السياسية، يتحايل عليها، ويرفض الخنوع المذل لها، مستخدما في ذلك أدواته وطرائقه التعبيرية وتكتيك


